مصدر الخبر: الوكالة العمانية
تبرز تجربة الفنانة التشكيلية السورية والمختصة في أدب الطفل، شيرين مصطفى، في عالم يتسارع فيه التدفق البصري وتتشابك فيه الحقيقة بالخيال الرقمي، كنموذج فريد يمزج بين دقة التصميم الهندسي وعفوية الريشة الفنية.
وفي حوار لوكالة الأنباء العمانية، كشفت الفنانة السورية عن ملامح تجربتها الإبداعية التي جعلت من سلطنة عُمان محطة محورية في مسيرتها، مؤكدة أن الفن في كتب الأطفال يتجاوز كونه زينة للنص، ليصبح "تأليفًا ثانيًا" يعيد بناء الوعي والهوية لدى الأجيال الجديدة.
ولم تكن رحلة شيرين مصطفى نحو أدب الطفل مصادفة مهنية، بل هي امتداد لشغف طفولي تجذر في كتابة القصص ورسمها وصناعة الكتب اليدوية. هذا الشغف الذي كبر معها، اصطدم بخلفية أكاديمية رصينة؛ فهي خريجة كلية الفنون الجميلة بجامعة حلب، وتخصصت في هندسة الديكور والتصميم الداخلي. إن هذا "البعد الهندسي" منح أعمالها حضورًا نوعيًّا؛ حيث تتعامل مع الكتاب كمنتج فني متكامل، تفكر في توزيع العناصر، وتوازن الصفحات، والإيقاع البصري بين الألوان، مما يجعل العمل وحدة واحدة.
وتوضح أن دراستها للتصميم ساعدتها على فهم التكوين البصري، وهو ما يظهر جليًّا في قدرتها على تطويع "واقعية" القصص القصيرة لتتحول إلى لوحات بصرية تزاوج بين الدقة التقنية وبراءة المحتوى، مع ترك مساحة دائمة لـ "الدهشة" التي تحفز خيال الطفل للاكتشاف الذاتي.
وعن انطلاق أعمالها برؤية فنية متفردة، تطرح الفنانة شيرين رؤية نقدية متقدمة لدور الرسام في أدب الطفل، حيث ترفض حصر دوره في "توضيح" الكلمات فقط فبالنسبة لها، الرسام هو "مؤلف ثانٍ"، فالعلاقة بين النص والصورة هي علاقة تشاركية تكاملية.
وتعتمد في عملها على قراءة النص بعمق، والدخول في حوار مع الكاتب لاستكشاف الأبعاد غير المرئية في حكايته، مما يضيف معانٍ جديدة لا تكرر الكلمات، بل تثريها. وهذا المنهج يسمح بتقديم "هوية بصرية" متفردة تحترم ذكاء الطفل وتخاطب مخيلته بطريقة غير مباشرة، فالفنانة تحرص على ألا تفرض أسلوبها الشخصي بشكل جامد، بل تترك "فراغات بصرية" تمنح الطفل فرصة ليكون شريكًا في إكمال القصة بخياله الخاص.
ووصفت الفنانة شيرين تجربتها في سلطنة عُمان بأنها "من أجمل محطات حياتها الفنية"، مشيدة بالتمسك الصادق بالهوية العمانية الذي يظهر في كل التفاصيل، من العمارة الفريدة إلى الأزياء التقليدية. وقد تجلى هذا الإعجاب في عدة أعمال فنية صممتها ورسمتها بروح عُمانية خالصة، منها: "عُمان تحكي" (2025): وهو عملٌ يوثق ملامح الحكاية العمانية بأسلوب بصري حديث، و "تذكرة سفر إلى عُمان": بالتعاون مع الحكواتي والكاتب أحمد الراشدي، حيث يسافر الطفل عبر صفحاته في رحلة بصرية وتاريخية، و "ندوب خلدون": بالتعاون مع النادي الثقافي للكاتبة زكية الشيبي، و "طارق والكوكب السابع": مع الجمعية العمانية لأمراض الدم الوراثية للكاتبة الغالية الصقرية.
وتؤكد أن توظيف هذه "المفردات الثقافية" -كالعمارة والأزياء والجغرافيا- في أدب الطفل لا يقتصر على كونه عنصرًا جماليًّا، بل يُعد استثمارًا حقيقيًّا في حماية الهوية من الذوبان في موجات العولمة، وترسيخًا لمرجعيتها الفكرية. فعندما يرى الطفل العُماني تفاصيل بيئته مصوّرة بتقدير جمالي رفيع، يتشكل لديه شعور بالانتماء والفخر بجذوره.
وتدرك الفنانة شيرين مصطفى مع هيمنة التقنية في وقتنا الحالي، أن طفل اليوم يختلف جذريًّا عمّا كان عليه قبل عقد من الزمان؛ فهو "طفل رقمي" أسرع استجابة للصورة وأكثر حساسية للتفاصيل، لذلك ترى أن تطوير "الأدب المصوّر" كقطاع مستقل أصبح ضرورة ملحّة؛ لأن الطفل يتفاعل مع الصورة مباشرة وفي بعض الأحيان يفهمها أسرع من النص، حيث تعمل الصورة اليوم كلغة بديلة وقادرة على سد الفجوة بين النص التقليدي والعوالم الافتراضية.
ورغم الهيمنة الرقمية إلا أن الفنانة شيرين تظل متمسكة بقوة الكلمة، وتدعو إلى التكامل بين الكتاب الورقي والشاشة؛ فالهدف هو تقديم أعمال تناسب هذا الطفل السريع، مع الحفاظ على "الإحساس والهدوء" الذي يحتاجه الطفل في ظل التسارع التكنولوجي، ليبقى قادرًا على الحلم والتأمل.
وفي ظل صعود الذكاء الاصطناعي وقدرته على توليد الصور، أبدت شيرين مصطفى عدم قلقها على مستقبل الإبداع البشري. وترى بفضل دراستها وتخصصها في التكنولوجيا والتصميم، أن الذكاء الاصطناعي "أداة مساعدة" لا بديلاً عن الفنان إذ يمكنه أن يساعد في بعض المراحل إلا أنه لا يستطيع نقل المشاعر والأحاسيس التي يحملها الفنان في رسوماته.
وتوضح الفنانة التشكيلية أن الفن ليس مجرد تركيب بصري للمعلومات، بل هو "تجربة إنسانية" مليئة بالمشاعر والذكريات الشخصية.
ورأت بأن الذكاء الاصطناعي يعيد تدوير ما هو موجود مسبقًا لذلك يفتقر ما ينتجه للأصالة، ففي الفن الرقمي يبتكر الفنان البشري من مخزونه العاطفي وتجاربه الحية، موضحة أن الاختلاف بين الاثنين إنما هو: "لمسة الفنان الإنسانية لا يمكن لأي آلة أن تحاكيها".
إن البصمة الخاصة التي التمستها الفنانة في قصص الأطفال العمانية هي "الصدق في الطرح والارتباط بالأرض"، وهو ما دفعها للتفاعل البصري معها بشغف، محاولة تقديم منتج فني يجمع بين الحرفية الهندسية وعفوية الخيال الطفولي.
وتظل تجربة الفنانة السورية شيرين مصطفى دليلاً على أن أدب الطفل هو "فن استراتيجي" يتطلب تضافر الخبرات التقنية والروح الفنية، ومن خلال أعمالها المرتبطة بسلطنة عُمان، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الكتاب جسرًا يربط الطفل بماضيه وتراثه، ويهيئه لمستقبل رقمي بوعي بصري وإنساني رصين.


