تُعدّ مناسبات العزاء من أسمى المواقف الإنسانية والاجتماعية، التي يتجلّى فيها التعاضد والتراحم، وتسمو فيها الأخلاق قبل الكلمات؛ إذ يجتمع الناس لتقديم واجب العزاء بروحٍ من الاحترام والمواساة، بعيدًا عن المظاهر أو الاستعراض.
وقد درج المجتمع العُماني، على امتداد تاريخه، على الالتزام بقيم النظام والتقدير المتبادل والتواضع، ولا سيما أن إقامة مناسبات وواجبات العزاء في معظم أنحاء السلطنة، في مثل هذه المواطن، غالبًا ما تكون في بيوت الله، التي تُعدّ من المبادرات الاجتماعية الرائعة.
غير أن المتابع للمشهد الاجتماعي في الآونة الأخيرة، وتحديدًا في محافظة ظفار ومدينة صلالة، يلحظ بروز ظاهرة باتت تؤرق الكثيرين، ألا وهي تخطّي صفوف المعزّين أثناء تقديم واجب العزاء، في مشهدٍ لا ينسجم مع قيم المجتمع ولا مع قدسية المناسبة.
فبدلًا من الانتظام والانتظار، يقوم بعض الأفراد بتجاوز الصفوف دون مسوّغ، متجاهلين الآخرين الذين التزموا بالدور احترامًا للنظام وللمكان؛ وهي عادة دخيلة على المجتمع الظفاري المعروف بتقاليده وعراقته، وخصوصًا أثناء مراسم العزاء التي تُعدّ موضعًا للعظة والعبرة.
ولا يخفى أن هذه السلوكيات تُحدث حالة من الإرباك والفوضى، وتُشعر كثيرًا من المعزّين بالاستياء والإحراج، بل وقد تُفقد لحظة العزاء معناها الحقيقي، حين تتحول من موقفٍ للتعزية والمواساة إلى ساحةٍ للتزاحم وإثبات الحضور؛ كما أن في ذلك انتقاصًا من مشاعر من انتظروا دورهم طويلًا، فاحترامهم للنظام لم يكن ضعفًا، بل التزامًا بقيم راسخة.
وقد علّمنا ديننا الحنيف خُلُقي الإيثار والتواضع، وجعلهما من صميم القيم الإسلامية، قال تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾، كما قال رسول الله ﷺ: «من تواضع لله رفعه». إلا أن ما نشهده من تجاوز للصفوف يعكس – للأسف – سلوكًا مغايرًا لتلك القيم، ويشي بشيء من الاستعلاء أو الاستعراض، وكأن الالتزام بالنظام أصبح أمرًا ثانويًا لا يستحق الاعتبار؛ وهنا يبرز السؤال المشروع: أين الإيثار؟ وأين التواضع؟ حين يتقدّم المرء على غيره دون عذر، وفي موقفٍ يُفترض فيه خفض الجناح لا رفع المكانة.
ومن المؤسف أن من يقوم بهذه التصرفات غالبًا ليس من كبار السن أو المرضى، وهم أولى بالتقدير والتيسير، بل نجد أن كثيرًا منهم يلتزمون الصف وينتظرون دورهم بكل رضًا وأدب، ضاربين أروع الأمثلة في حسن الخلق؛ بينما تصدر هذه الممارسات أحيانًا من بعض الشباب، أو ممن يظن أن له وضعًا اجتماعيًا خاصًا، فيتحول من قدوة يُحتذى بها إلى سببٍ في الإخلال بالنظام.
وقد تفرّد الكاتب/ علي محمد جعبوب، في أحد مواقع التواصل الاجتماعي، بالحديث عن هذه الظاهرة، وأصاب فيما ذكر حين قال: “بصراحة، لمن يتجاوز الصف دون عذر، أنت تسيء لنفسك قبل غيرك، وسلوكك مخالف للذوق، وفيه عدم احترام للغير”.
وبالإمكان التقليل من آثارها السلبية ومعالجتها عن طريق:
- توعية المجتمع بأهمية النظام واحترام الصفوف في العزاء، بما يسهم في تعزيز السلوكيات الإيجابية والروابط الإنسانية دون الحاجة إلى تجاوز الآخرين.
- تنظيم الفعاليات في المجتمعات المحلية بشكل أفضل، مما يقلل من الحاجة إلى تخطّي الصفوف، ووضع آليات تسمح للجميع بتقديم العزاء بشكل منظّم.
- تعزيز القيم الاجتماعية والاحترام المتبادل؛ لتشجيع قيم التعاون بين الأفراد، مما يساعد في تحسين الأجواء والتجربة العامة في مثل هذه المناسبات.
إن معالجة هذه الظاهرة لا تحتاج إلى قوانين أو عقوبات، بقدر ما تحتاج إلى وعي مجتمعي صادق، يعيد التأكيد على أن احترام الصفوف ليس مجرد تنظيم شكلي، بل قيمة أخلاقية تعبّر عن احترام الآخر، وتقدير مشاعره، وصون قدسية المناسبة؛ فالعزاء ليس موطنًا للاستعجال ولا للتقدّم، بل مساحة للصبر والاتزان والتواضع.
إن ظاهرة تخطّي الصفوف في العزاء تُعدّ جزءًا من التركيبة الاجتماعية والثقافية التي تعكس مجموعة من عواطف الناس في محافظة ظفار، ورغم الدوافع الإيجابية التي قد تدفع البعض إلى هذا التصرف، إلا أنه من المهم إدراك تأثيراته النفسية السلبية؛ ذلك أن فهم الأسباب والدوافع وراء هذه الظاهرة يمكن أن يسهم في تعزيز التواصل الاجتماعي بشكل أفضل، وتحقيق توازن بين التعبير عن الدعم وضرورة تعزيز الاحترام المتبادل والنظام. وبِتضافر جهود المجتمع وتوجيهه نحو القيم الإيجابية، يمكننا الحفاظ على خصوصية هذه اللحظات الحزينة، وتعزيز الروابط الاجتماعية بروح من التعاون والاحترام.
ومن هنا نتمنى بقلوب مفتوحة أن تتلاشى مثل هذه الظاهرة غير الحميدة، التي قد تُضايق الكثيرين من جموع المعزّين؛ فالجميع جاء سواسية لتقديم العزاء لأهل الميت، ولكلٍّ ظروفه وانشغالاته وواجباته. وقد دعا الإسلام إلى التراحم والتوقير، كما جاء في الحديث النبوي الشريف: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقّر كبيرنا»، فيجب أن نحترم الجميع ونقدّر من جاء أولًا؛ فالإسلام دين النظام والنصيحة في كل زمان ومكان.
ختامًا، يبقى النداء بسيطًا في عبارته، عميقًا في معناه:
“لطفًا… وليس أمرًا… لا تتخطَّ صفوف المعزّين”.
فبهذا السلوك نحفظ كرامة الآخرين، ونصون قيم مجتمعنا، ونُبقي لمراسم العزاء هيبتها ومعناها الإنساني النبيل.
د. سالم بن محمد عمر العجيلي
خبير الجودة والتميز المؤسسي والتخطيط الاستراتيجي
والقانون والتحكيم التجاري


