د. سالم سهيل الكثيري
في الوقت الذي كان العالم فيه يلملم جراحه من تداعيات كورنا كانت محافظة ظفار بعبق لبانها وأصالة تاريخها على موعد فجر إعلامي جديد ولد برنامج لقاء الثامنة المباشر فكان التجربة التي كسرت القوالب التقليدية للإعلام الخاص في محافظة ظفار وذلك لحلقاته المتواصلة على مدار عام فكان منبراً يترقبه القاصي والداني في تمام الثامنة مساء.
بدأت القصة تحت مظلة قناة ظفار الوثائقية تلك المنصة التي كانت تعنى بتوثيق التراث والجمال الطبيعي للمحافظة ولكن مع تزايد الحاجة إلى حوار فكري يواكب المتغيرات الوطنية تحولت هذه المنصة إلى قناة البيداء لتشكل الحاضنة التقنية والفنية لبرنامج لقاء الثامنة الذين كان يبث مباشرا كان هذا التحول يمثل رغبة حقيقية في الانتقال من التوثيق الصامت إلى الحوار التفاعلي النابض بالحياة.
انطلق البرنامج في 13 يناير 2021 في توقيت كان فيه المجتمع يبحث عن صوت يمثله ويناقش قضايا بجرأة ومسؤولية لم يتوقف البرنامج أو يتراجع بل استمر برتم احترافي تصاعدي لست وثلاثين حلقة بمعدل 3 حلقات شهرياً واختتم البرنامج رحلته في 6 يناير 2022 بعد أن أرسى قواعد جديدة للعمل الإعلامي المستقل هذه الاستمرارية ليست بالأمر السهل في عالم الإعلام الخاص فهي تتطلب جهدا لوجستيا وبحثيا وفنيا هائلا وهو ما نجح فيه فريق العمل.
ما ميز لقاء الثامنة ؟هو الخلطة السحرية في اختيار الضيوف لم يكن البرنامج موجها لنخبة محددة بل كان مائدة مستديرة اجتمع عليها السياسيون والمشرعون عبر استضافة أعضاء مجلس الشورى ومجلس الدولة استطاع البرنامج تقريب المسافة بين المواطن والمسؤول ومناقشة القوانين والتشريعات برؤية تحليلية وكذلك المفكرون والمؤرخون في محافظة تضرب جذورها في أعماق التاريخ كان لابد من استحضار الماضي لفهم الحاضر وهنا برز دور المؤرخين في إثراء الحلقات بقصص الهوية والانتماء أما المجموعة الأخرى فكانوا من التكنوقراط (المهندسون والأكاديميون) حيث قدم البرنامج جرعة علمية رصينة ناقشت خطط التنمية العمرانية والتحديات الهندسية والآفاق الأكاديمية للشباب في ظفار وأخيرا كان لرواد الأعمال والنشطاء نصيبا في البرنامج لم يغفل البرنامج الجانب الاقتصادي والاجتماعي فاستضاف تجارا وناشطين نقلوا نبض الشارع وهموم السوق وتطلعات العمل التطوعي.
قامات في الذاكرة ضيوف صنعوا الفارق ويتبادر إلى الذهن أسماء وشخصيات كان لحضورها ثقل استثنائي على سبيل المثال لا الحصر المرحوم سعادة الشيخ عبدالله بن حسين المشهور بصفته عضوا في مجلس الشورى ورجلا للأعمال قدم رؤية متوازنة بين الاقتصاد والسياسة التشريعية وأتذكر من مفرداته (جدار برلين ) الذي يحاط بظفار قبل السبعين ، أما سعادة محمد مسلم هبيس الإعلامي القدير وعضو مجلس الشورى الذي جمع في حديثه بين كاريزما المذيع وحكمة المسؤول حيث طرح عليه سؤالا لماذا هذا العناد؟ فكانت إجابته بكل لباقة أن العناد ذاب لأنه ما جنته وأحدثته النهضة المباركة أزالت هذه المفردة وهي العناد .
أما المحلل السياسي علي سعود المعشني الذي أضفى بقرائته السياسية العميقة بعدا استراتيجيا للحوارات جعلت البرنامج يتجاوز الشأن المحلي إلى الشأن الإقليمي والدولي وأن الثقافة والعلم لا يمنكها أن تكون في شهادة جامعية ، أما في حلقة سعيد محمد التاجر الشحري الناشط الاجتماعي الذي نقل هموم المجتمع المدني بكل أمانة وشفافية وكذلك عكس روح الشباب بالرغم من سنه المتقدم وعمقه الثقافي في القراءة لروايات متعده وعلى سبيل المثال ( البؤساء لجان فالجان ). أما الدكتور سالم بن عقيل مقيبل الكاتب والمؤرخ الذي كان بمثابة البوصلة التي تعيدنا دائما إلى جذورنا الأصيلة وهذا ما سرده في كتب متعددة وعلى سبيل المثال لا للحصر عن يوميات الأستاذ عبدالقادر الغساني التي تعكس الروح والبحث عن العلم الراقي الذي ينعكس على الذات والمجتمع لما هذه الشخصية البارزة في ظفار.
وفي الختام لم يكن لقاء الثامنة برنامجا (توك شو) بل كان نقلة لتعزيز الوعي الجمعي إذ ساهم البرنامج في رفع مستوى الوعي بالقضايا الوطنية والاجتماعية في ظفار والقدرة على إنتاج محتوى إعلامي بجودة وكذلك صنع قدوات من خلال استعراض سير الناجحين والمفكرين الذين تم استضافتهم في البرنامج كنماذج ملهمة للشباب العماني. إذا لقاء الثامنة هو قصة إعلامية في محافظة بدأت من طموح فردي وتحولت إلى حلقات إعلامية تم توثيقها بالصوت والصورة ومرجعا ربما يتحول إلى دراسات وتحليل لما تم فيه وأكد الإعلام الخاص أصبح له دورا جليا يتسلح بالعلم والمهنية والمواطنة ويجمع بين أصالة المحتوى وعصرية الأداة.
د. سالم سهيل الكثيري


