الفضاء الرقمي بين عالم الافتراض وقانون الواقع

نشرت :

ماجد المرهون

إستحالت التكنلوجيا من اداةٍ نكاد نمسكها بأطراف اصابعنا إلى بيئةٍ حقيقية كاملة نعايشها حد التنفس، نتحرك دائمًا في مساحتها الواسعة المعلومة ونغامر احيانًا في المساحات الشاسعة المجهولة، فتُعيد صياغة حياتنا وهُوياتنا ونُحمل عبرها على إعادة تشكيل علاقاتنا وأعمالنا، وبعد أن كان التوصيف القديم للفضاء الرقمي يعتمد الفكرة الافتراضية في الحس الجمعي فيبدو ان ذلك المفهوم الشبحي قد سقط معرفيًا وعلميًا بعدما زال ذلك الاعتقاد السرابي، ومنذ أن اصبحت نقرة زرٍ من اطراف الأصابع بل لمسةٍ ابهامٍ مُبهمة أو مسحة سبابةٍ سطحية سببٍ قادِر على هدم حياة واختراق خصوصية وتحطيم كرامة وتكبيد خسارة.

نقف اليوم امام واقعٍ رقمي موازٍ ومتداخل معنا عضويًا وماديًا، مما يفرض علينا مُقاربة ذلك الفضاء برؤيةٍ معمًّقة تنطلق من عنصرين مهمين وهما: الوعي الإنساني اليقظ وسُلطة قوانين الحماية والردع والجزاء، وقد نتخيل أن الفضاء الرقمي من حولنا فارغٌ نظريًا وممتدًا لأبعد من مدى النظر، بيد ان واقعه التطبيقي والتقني ليس كذلك، فمن خلاله يواجه الإنسان المُعاصر تدفقًا معلوماتيًا هائلًا يتجاوز قدرته التقليدية على مواكبته، فضلًا عن الفرز والتمحيص والتدقيق، ولذلك لا ينبغي التعامل مع تقنية المعلومات بصفةِ الخبير التقني في تشغيل الآلات فليس الكُل خبراء، وانما بإعمال الحس الأمني كرقيبٍ ذاتي وبإشغال الوعي النقدي واستفزاز قدرته على ادراك الأبعاد الخفية للبيانات وفهم الخوارزميات التي قد تحاول توجيه السلوك البشري وتسليعه.

لم يعد مفهوم الأمية اليوم كما كان سابقًا، فغياب الثقافة العامة والوعي بالمخاطر في العصر الرقمي هو شكلٌ من أشكال الأمية ولكنها حديثة، أو جهلًا يحول الإنسان من اداةٍ فاعلةٍ إلى مُستهلك مستلب الارادة وتُنتهك خصوصيته وتوجه أفكاره وتقتادة دون أن يشعر زحف زيف وخداع التيارات الرقمية، لذلك يعتبر الوعي طوق النجاة الأول والدرع الضامن للتمييز بين الحقيقة والوهم، والكفيل بتحويل التقنية من غايةٍ للهمينة إلى وسيلةٍ للتحرر والكسب المعرفي والمادي والتواصل الإنساني القويم.

نُشاهد تحلل الخيوط الفاصلة بين المادي والرقمي وتلاشي الحدود بين العالم الافتراضي والواقعي، فالأحداث والمُمارسات والبيانات خلف الشاشات ماهي إلا ارتدادتٍ حقيقية وملموسةٍ على ارض الواقع بما في ذلك الجريمة الرقمية، وباتت تعرف بأنها جريمة مُكتملة الأركان وتخلِّف ندوبًا نفسية وآثارٍ اجتماعية واقتصادية لا تقل عمقًا عن تلك التي تقع في العالم المادي، فالمراسلات الشخصية واعمال المؤسسات كلها انتقلت الى ذلك الفضاء، فأصبح المنزل والحقل والمصنع والسوق والمكتب ساحات الفعل والعمل والحدث، ومع هذا التحول المُتسارع فإن النظر اليوم إلى الفضاء الرقمي كمساحةٍ حرة خالية من المسؤولية الأخلاقية والقانونية هو نظر قاصر واهم.

وهنا بالطبع لن يقف المشرِّع فوق الأرض متفرجًا على مايحدث في الفضاء الرقمي، ولا بُد ان يُرجع النظر في التدخل بقدراته وامكاناته على اعادةِ ضبط الخلل وسد ثغرات الزلل وحفظ الحقوق واستعادتها، فإذا كان الوعي المعرفي والإدراك هو اداة الرقيب الداخلي على الذات ومِعيار الوازع الأخلاقي فإن القانون هو الضابط الخارجي والميزان الموضوعي الذي لا تستقيم المُجتمعات بدونه، وفي فضاءٍ ذو قدرة عالية على التلوي والتخفِّي فإن التشريع القانوني يزداد صرامةً وردعًا واسرع تحديثًا لحفظ السلم الأهلي وضمان الإستقرار المؤسساتي.

أشعر احيانًا أن القانون كائنٌ حي ويتجسد بفضيلتهِ في صون الخصوصية الفردية وحماية البيانات الشخصية من السطو والإستغلال التجاري والسياسي، والقانون الذي يضمن للإنسان حقوقه في الواقع هو نفسه في العالم الإفتراضي، إذ يحميه من التشهير والإبتزاز والنصب والإحتيال ويعاقب المقترف للجريمة والمُنتهك للمحظور، ليُعيد للذات الإنسانية هيبتها وكرامتها، كما يقف القانون وقفةً ردعٍ حاسمة ضد مخاطر التفكك والفِتن الناجمة عن خطاب الكراهية وتسميم الوعي الجمعي بالشائعات المُمنهجة وصولًا إلى تأطير حرية التعبير بمسؤوليةٍ وطنية واخلاقية تحد من الفهم الفضفاض للحرية والتفريق بينها وبين الوقاحةِ والفوضى.

تُحاول المؤسسات سواءً كانت حكومية أو خاصة بلوغ الحلول الرقمية المُتكاملة بعد الإنتهاء من مرحلة التحول الرقمي وبالتالي باتت ترتكز جدًا على الرقمنة كحتمية تنموية، وهنا يأتي دور القانون ليحمي بموادهِ كُل تلك المنظومة من الهجمات السيبرانية وسرقة البيانات والتجسس الصناعي بهدف خلق جو تشريعي يضفي الأمان على بيئة الاعمال الرقمية بأرضها وفضائها وبواقعها وافتراضها لضمان استدامة البُنية الإقتصادية، ولا يُمكن بأي حال إهمال تحديات العصر الرقمي بالإنكفاء عليها ورفضها باعتبارها افتراضية والضرورة تحتِّم استباق الإنخراط فيها وبقوة من خلال بناء وعي قانوني متين يفهمهُ ويُقدِّره الجميع.

نستنتج اخيرًا أن الوعي والقانون هما جناحي الاستقرار في عالم الفضاء الرقمي، فالأول يحرر العقل من التبعية والتضليل والثاني يكبح جماح النفوس الضعيفة ويُقيم العدالة، وكلاهما يضفيان المسحة الإنسانية واللمسة الأخلاقية ويحولان غابة الخوارزمية الموحشة إلى مُجتمعٍ رقمي عادل تُصان فيه الحقوق وتُحقق أهداف النهضة.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img