سلطنة عُمان.. الصخرة التي لا تهزها العواصف

نشرت :

راي صحفي


رئيس التحرير

في زمن الاصطفافات الحادة والتحالفات المتقلبة، حيث يُقاس النجاح بالصوت الأعلى والسيف الأقوى، تبرز سلطنة عمان كاستثناء لافت ليست قوتها في حجم جيشها أو ثروتها النفطية الهائلة، بل في رصيدها التاريخي من الثبات على المبادئ، والحكمة في المواقف، والقدرة على أن تكون “صديقة للجميع” دون أن تفقد هويتها أو استقلاليتها. منذ عهد السلطان قابوس بن سعيد -رحمه الله- الذي أرسى أسس السياسة الخارجية العمانية الحديثة، وصولاً إلى السلطان هيثم بن طارق، الذي يواصل النهج نفسه، اختارت مسقط طريقاً مختلفاً: الحياد الإيجابي، والوساطة الهادئة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين. هذا النهج جعلها “سويسرا الشرق الأوسط”، ليس شعاراً إعلامياً فحسب، بل واقعاً دبلوماسياً ثبت في أصعب الأزمات.
تاريخ عمان حافل بمواقف خالفت “التيار” السائد، ودفعت ثمناً من اتهامات وانتقادات، لكن الزمن أثبت صحتها في كثير من الحالات حرب إيران والعراق بينما انحازت دول خليجية للعراق، حافظت عمان على علاقاتها مع طهران، وعرضت وساطات ودعمت الحلول السلمية ومقاطعة مصر كانت من الدول العربية القليلة التي لم تقطع علاقاتها مع مصر، رغم الضغوط. أزمة قطر 2017 رفضت الانحياز إلى الحصار، وحافظت على جسور التواصل. الحرب في اليمن لم تشارك في التحالف العسكري، بل فتحت أبوابها للحوار والوساطة الإنسانية، واستضافت محادثات بين الأطراف.
في كل مرة، وُجهت إليها سهام الاتهام بالـ”ميل” لهذا الطرف أو ذاك. لكن النتيجة كانت دائماً أن عمان ظهرت كصوت العقل، والجهة التي يلجأ إليها الجميع عندما تشتد الأزمة. استضافت محادثات سرية بين الولايات المتحدة وإيران أدت إلى الاتفاق النووي 2015، وتوسطت في تبادل أسرى، وفتحت قنوات حوار مغلقة بين أعداء.
رغم حجم الهجمات الإعلامية والسياسية من دول مجاورة وإقليمية ودولية -بعضها مدفوع ومُوجَّه- لم تتزعزع عمان. بل إن كل حملة تزيدها صلابة ووضوحاً. السبب بسيط: سياستها مبنية على مصالح طويلة الأمد، وليست على عواطف أو حسابات آنية. علاقاتها المتوازنة مع الولايات المتحدة (شريك دفاعي رئيسي) وإيران (جارة تاريخية) ودول الخليج والعرب اخواتها ، تجعلها جسراً لا غنى عنه في أي أزمة كبرى.

هذه الاستقلالية ليست ضعفاً، بل قوة. في منطقة تشتعل فيها الحروب بالوكالة وتتغير التحالفات كل موسم، يبقى الثبات قيمة نادرة. كل هجمة تُعرّف العالم بعمان أكثر: دولة صغيرة في الحجم، عملاقة في الحكمة، تُقدم نموذجاً للدبلوماسية الناضجة التي تفضل الحوار على التصعيد، والسلام على الغلبة.
في عصر “الضجيج” الإعلامي والاستقطاب، تذكّرنا عمان بأن القوة الحقيقية ليست في الصراخ أو الاصطفاف الأعمى، بل في القدرة على البقاء فوق الصراعات، وتقديم يد العون لإطفائها. رصيدها التاريخي ليس مجرد أرشيف دبلوماسي، بل إرث حي يُثبت يوماً بعد يوم أن “السلام خيار”، وأن الثبات على المبادئ يصنع تاريخاً لا يُمحى.
عمان ليست مثالية، ولا تدّعي ذلك. لكنها تثبت أن السياسة الخارجية يمكن أن تكون أداة بناء، لا أداة تدمير. وفي زمن يحتاج فيه الشرق الأوسط إلى أصوات عاقلة أكثر من أي وقت مضى، تبقى مسقط منارة تستحق التقدير والاحترام.

حفظ الله عمان وأهلها وسلطانها من كل شر والأمة العربية والإسلامية والإنسانية كافة …

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img