مفهومُ الأمّة في زمن الخوارزميات .. الإعلامُ العُماني بين السّردية الوطنيّة وتحدّيات المجال الرّقمي

نشرت :

مسقط : العمانية

في وقتٍ تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتغير فيه أنماط الاتصال وإنتاج المعرفة، تبرز تساؤلات جديدة حول مستقبل الهُويّة الوطنيّة ودور الإعلام في تشكيلها والمحافظة عليها، ومن هذا المنطلق يأتي كتاب الدكتور خميس المقيمي "مفهوم الأمة في النظم الإعلامية المركزية وتحدّيات الإعلام الجديد.. النظام الإعلامي العُماني كحالة دراسية"، ليقدم قراءة تحليلية للعلاقة بين الإعلام والهُوية الوطنيّة في ظل بيئة اتصالية تتسم بالتعدد والتفاعل واتساع فضاءات التعبير.ويشير المقيمي إلى أن اختيار مفهوم "الأمة" موضوعًا للدراسة جاء نتيجة تقاطع بين الممارسة الإعلامية والتأمل البحثي والمعايشة المباشرة للتحولات التي يشهدها المشهد الاتصالي، موضحًا أن الإعلام، لا سيما في النظم الإعلامية المركزية، لا يقتصر دوره على نقل الأخبار والمعلومات، بل يمتد إلى إدارة المجال الرمزي وصياغة السرديات الوطنية التي تعزز الإحساس المشترك بالانتماء.ويضيف أن مفهوم الأمة شكّل مدخلًا لفهم العلاقة بين الإعلام وبناء الهُويّة الوطنيّة داخل النظم المركزيّة، واستكشاف كيفيّة تأثر هذه العلاقة بالتحوّلات التي أحدثها الإعلام الجديد في بنية الوسيط وأنماط التلقّي ومسارات إنتاج المعنى، كما جاء اختيار الإعلام العُماني بوصفه حالة دراسيّة لكونه يمثل نموذجًا واضحًا لنظام إعلامي ارتبط تاريخيًّا بمشروع بناء الدولة الحديثة وترسيخ السّردية الوطنيّة الجامعة، قبل أن يدخل تدريجيًّا في تفاعل مباشر مع بيئة رقمية أكثر تعدّدًا وتفاعليّة.ويؤكد المقيمي على أن الدراسة كُتبت في الأصل ضمن إطار أكاديمي ومنهجية بحثية تفصيلية، لكنها لم تكن بعيدة عن أسئلة الواقع وتحدياته، إذ تناولت قضايا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعمل الإعلامي وصناعة السياسات والهُويّة الوطنيّة وتحولات الجمهور، وبعد مناقشة الأطروحة، ومع تحقق عدد من التحولات التي كانت الدراسة قد أشارت إليها واستشرفتها في وقت مبكر، برزت الحاجة إلى إخراج هذا النقاش من الإطار الجامعي إلى فضاء أوسع يتيح وصوله إلى الممارسين وصناع القرار والمهتمين بالشأن الإعلامي والثقافي، لذلك يعد إصدار الكتاب محاولة لنقل النقاش إلى دوائر أرحب، مع المحافظة على بنيته العلمية وعمقه النظري.وينطلق الكتاب من سؤال محوري يتمثل في مدى قدرة النظام الإعلامي المركزي على مواصلة أداء دوره في بناء وتمثيل الهُويّة الوطنيّة في ظل التحولات الرقميّة المُتسارعة التي أعادت تشكيل المشهد الاتصالي وأنماط التفاعل المجتمعي، وتفرعت عن هذا السؤال مجموعة من التساؤلات المرتبطة بطبيعة المجال العام في العصر الرقمي، من بينها تأثير محدوديّة التعدديّة الخطابيّة، ودور منصات التواصل الاجتماعي في إعادة توزيع السلطة الرمزية بين المؤسسة الإعلامية والجمهور، ومدى قدرة الإعلام الرسمي على الحفاظ على شرعيته الرمزية، وإمكانية توظيف الإعلام الرقمي بوصفه رافدًا لتعزيز الهُويّة الوطنيّة.ويؤكد المقيمي على أن الدراسة لم تنطلق من موقف نقدي تجاه الإعلام المركزي، كما لم تتعامل مع الإعلام الجديد بوصفه بديلاً كاملًا أو حلًّا نهائيًّا، ولكنها سعت إلى تقديم قراءة تشخيصيّة لفهم التحدّيات التي تواجه نموذجًا إعلاميًّا تشكل في مرحلة البث الأحادي، وأصبح اليوم يتفاعل مع واقع اتصالي جديد يقوم على التعدّدية والتّفاعل وسرعة تداول المعنى.ويتعامل الكتاب مع مفهوم الأمة بوصفه بناءً رمزيًّا واجتماعيًّا يتشكل من الإحساس المشترك بالانتماء إلى جماعة وطنيّة تتقاسم الذاكرة والرّموز والقيم والتاريخ والتطلعات المستقبلية، وفي هذا السياق، تتجاوز قراءة الأمة باعتبارها مفهومًا سياسيًّا مجردًا لتصبح فكرة حاضرة ومتجدّدة داخل المجال العام عبر السرديات المشتركة والرموز الوطنية والتمثلات الثقافيّة التي يتداولها المجتمع ويعيد إنتاجها بصورة مستمرة.ويرى المقيمي أن مؤسسات التعليم والثقافة والخطاب السياسي إلى جانب اللغة والفنون والاحتفالات الوطنية تسهم في بناء هذا المعنى الجمعي، فيما يظل الإعلام أحد أبرز الحقول التي يُمارس من خلالها الانتماء الوطني ويُعاد تمثيله وتداوله.ويشير الكتاب إلى أن النظم الإعلامية المركزية ارتبطت تاريخيًّا بمراحل بناء الدولة الحديثة، لا سيما في المجتمعات التي كانت بحاجة إلى ترسيخ الوحدة الوطنية وإدارة التنوع وتقديم سردية جامعة تعزز التماسك بين الدولة والمجتمع، وفي تلك المرحلة البكر أدى الإعلام دورًا توحيديًّا مهمًّا من خلال إبراز الرموز المشتركة وإعادة إنتاج الذاكرة الوطنية وتوفير لغة عامة يتداول عبرها المجتمع معاني الانتماء والهُويّة الوطنيّة.كما أسهمت وسائل الإعلام التقليدية بدرجة كبيرة في تشكيل السردية الوطنية الجامعة، لكونها مثلت على مدى عقود المنصة الرئيسة التي تعرّف من خلالها المواطن على الدولة ومنجزاتها ورموزها وقضاياها الكبرى، وفي الحالة العمانية، كان الإعلام شريكًا في بناء المشترك الوطني عبر نقل أخبار التنمية وتغطية المناسبات الوطنية وإبراز الرموز الثقافية وتقديم صورة عُمان الحديثة بوصفها دولة متماسكة ومعتدلة، وهي وظيفة يؤكد المقيمي على أنه لا يمكن التقليل من أهميتها أو تجاهل أثرها في ترسيخ الوعي الوطني وتعزيز الانتماء.ويذهب المقيمي إلى أن التجربة الإعلامية العمانية تتميز بارتباطها الوثيق بمشروع بناء الدولة الحديثة، حيث اضطلعت بدور مهم في تعزيز التماسك الوطني داخل مجتمع يتسم بالتنوع الجغرافي والثقافي، كما أسهمت في ترسيخ خطاب إعلامي يقوم على الاعتدال والاتزان ويتجنب الاستقطاب الحاد.ويضيف أن هذه التجربة تتيح دراسة العلاقة بين الإعلام والدّولة والهُويّة الوطنيّة في سياق يتسم بالاستقرار، الأمر الذي يجعل التحولات الحالية في المشهد الإعلامي العُماني أكثر وضوحًا وقابليّة للقراءة والتحليل، ومن أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن التحول الذي يشهده الإعلام لا يتعلق بالهُويّة الوطنيّة بقدر ما يتعلق بآليات تمثيلها إعلاميًّا، فالدراسة لم ترصد مؤشرات على تراجع جوهري في الانتماء الوطني، بقدر ما كشفت عن تغيرات في علاقة الجمهور بالمؤسسة الإعلامية وفي توقعاته تجاه الأدوار التي ينبغي أن تؤديها.وفي هذا السياق ينتقل الكتاب من الحديث عن "أزمة هُوية" إلى الحديث عن "أزمة وساطة إعلامية"، إذ لم يعد السؤال مرتبطًا بوجود السردية الوطنية أو غيابها، وإنما بمدى قدرة الوسيط الإعلامي على تمثيل هذه السردية وتفسيرها وتجديدها في بيئة اتصالية تختلف جذريًّا عن تلك التي تشكل فيها النظام الإعلامي التقليدي.ويرى المقيمي أن منصات التواصل الاجتماعي لم تُلغِ مفهوم الأمة، لكنها أعادت تشكيل آليات إنتاجه وتمثيله داخل المجال العام، فبعد أن كانت المؤسسات الإعلامية التقليدية تضطلع بالدور الرئيس في تنظيم السرديات الوطنية وترتيب أولوياتها الرمزية، أصبحت هذه العملية موزعة بين المؤسسات الرسمية والأفراد والمنصات الرقمية والخوارزميات.ويؤكد على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تعدد المنصات أو وفرة مصادر المعلومات فقط ولكن في التحولات التي طرأت على آليات تمثيل الهُويّة الوطنيّة وتداولها داخل المجال العام، حيث أصبحت السرديات الوطنية جزءًا من فضاء أوسع تتجاور فيه تفسيرات متعدّدة للهُوية والانتماء وتتفاعل داخله مؤسسات الدولة مع فاعلين أكثر تنوعًا، بالإضافة إلى أن التحدي يكمن في قدرة السردية الوطنية على الحفاظ على حضورها وفاعليتها والتعبير عن الخصوصية الثقافية بلغة معاصرة تستوعب التحولات المتسارعة.ويشير المقيمي في كتابه إلى أن مستقبل المؤسسات الإعلامية الوطنية لا يرتبط بقدرتها على منافسة المنصات الرقمية في سرعة النشر أو حجم الانتشار، بقدر ما يرتبط بقدرتها على إعادة تموضع دورها داخل المجال العام، فالقيمة الحقيقيّة للإعلام الوطني تكمن في قدرته على تفسير المعلومة وربطها بالسياق الوطني وإنتاج معنى مشترك حول القضايا التي تمس المجتمع.ومن هنا تدعو الدراسة إلى الانتقال من نموذج يقوم على إدارة الرسائل إلى نموذج أكثر ارتباطًا بإدارة المعنى، وإلى بناء علاقة أكثر تفاعلية مع الأجيال الجديدة تقوم على المشاركة والاستماع والتمثيل، بدل الاكتفاء بنقل الرسائل والخطابات التقليدية.وحول مستقبل مفهوم الأمة في ظل الذكاء الاصطناعي والإعلام الخوارزمي، يرى المقيمي أن كثيرًا من الأسئلة التي أثارتها الدراسة عند مناقشتها قبل أعوام باتت اليوم جزءًا من النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي والإعلام الخوارزمي، موضحًا أن هذه التقنيات تتعامل مع الهُويّات الوطنيّة بوصفها منظومات من الرموز والدّلالات والتمثلات الثقافيّة القابلة للتعرف وإعادة الإنتاج.ويشير إلى أن الذكاء الاصطناعي، رغم طابعه العالمي، ما زال قادرًا على التمييز بين الهُويات الوطنيّة المُختلفة وتمثيلها بصريًّا وثقافيًّا، الأمر الذي يعكس استمرار حضور الهُوية الوطنية بوصفها إطارًا مرجعيًّا للتعريف والتمييز والتمثيل.ويخلص إلى أن مفهوم الأمة لا يتجه نحو التراجع، بقدر ما يشهد تحولات في طرق تمثيله وتداوله وإعادة إنتاجه، مرجّحًا أن تصبح مسألة المحافظة على الخصوصية الثقافية والسردية الوطنية داخل البيئات الرقمية الذكية من أبرز القضايا المطروحة في النقاشات المستقبلية حول الإعلام والهُوية.وفي ختام الكتاب، يؤكد الدكتور خميس المقيمي على أن العمل لا يتناول الحالة الإعلامية العمانية بوصفها غاية في حدّ ذاتها، وإنما باعتبارها نافذة لفهم سؤال أوسع يتعلق بالعلاقة بين النظم الإعلامية المركزية ومفهوم الأمة في عصر الإعلام الجديد، داعيًا إلى مواصلة النقاش حول مستقبل السرديات الوطنية ودور الإعلام في بناء الهُويّة الجماعيّة لعالم تتزايد فيه مساحات التفاعل وتتعدد فيه مراكز إنتاج المعنى.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img