التقاطة إرث

نشرت :

سالم بن أحمد بن محاد العمري

في مدينة من مدن الخيال، تحتضنها الجبال من الخلف وينفتح صدرها على البحر، عاش شاب اسمه “إرث”. خفيف الروح، ثقيل العطاء. سبّاق للخير، سابق لوعده، ومحبة الناس له كانت تمشي أمامه قبل خطوته.

مات أبوه، رحمه الله، وهو ما زال حلماً صغيراً في عيون إخوته. وبعد خمسة وثلاثين عاماً، لحقت به الأم. فوقف إرث وحده، يحمل اسم أبيه وإرثه، ورضا أمه، ويحمل إرث بلده كله.

وهنا بدأت الحكاية

قرر إرث أن يمشي في دروب الماضي، ويصغي لصوت الحواري العتيقة. وهناك، بين ظلال البيوت الحجرية، التقى بـ “التقاطة”.

في يدها كاميرا قديمة تلمع كأن الزمن صقلها. كانت عدستها عيناً لا تنام: تصور الحارات وهي تتنفس، والقلاع وهي تحرس، والنساء وهنّ يحوّلن الفضة إلى حُليّ، والرجال وهم ينحتون من الصخر حياة. حتى الصخور الصامتة نطقت تحت عدستها.

والتقيا… فبدأ الحوار:

إرث بابتسامة فضول: لماذا تصورين بهذه الكاميرا القديمة؟

التقاطة وعينها على العدسة: أهداني إياها عمي بعد نجاحي من الصف الرابع. وصنع لي والدي غرفة صغيرة لتحميض الصور… كانت عالمه وعالمي.

إرث: الدنيا اليوم تركض. كاميرات بلا أفلام، وصور تُطبع بضغطة زر. فكيف تولدين الصورة؟

التقاطة بحب: كما وُلدت أول مرة. أحمّضها بيدي في معملي بالحارة القديمة، أشم رائحة الكيمياء، ثم أوقظها من جديد عبر الماسح الضوئي… وأضيف لها من روحي.

هنا انفتح باب الفضول في قلب إرث على مصراعيه.

إرث: كيف جمعتِ بين أصالة الأمس وروح اليوم؟ هل تأذنين لي بزيارة معملك؟

التقاطة: معملي يفتح أبوابه بعد صلاة العشاء. ستجده مقابل قبلة المسجد، تتلألأ جدرانه بتباشير بيضاء كأنها غيم نزل على الأرض.

إرث: عرفته… وأعرف أهله الطيبين.

بعد العشاء، دخل إرث وأمه ذلك البيت الذي غابا عنه طويلاً.

استقبلتهم القلوب قبل الأبواب. وبينما كانت أم التقاطة تعد “القصابية” التي تعشقها أم إرث، أخذتهم التقاطة في جولة داخل معملها… عالم من الظلام يولد منه النور.

وعلى ضوء السراج، وبعد آخر لقمة، قالت أم إرث بهدوء يهز القلوب:

جئنا خاطبين ابنتكم الغالية لابننا إرث.

فابتسمت أم التقاطة وقالت: إن شاء الله… والجواب يأتيكم بعد ثلاثة أيام.

سألوا عن إرث، فوجدوا اسمه يسبقه. فجاءت الموافقة… وجاء الفرح.

مرت الشهور كأنها لحظات، وتم الزواج. همس إرث في أذن زوجته:

سنقضي شهر العسل في أرض المتاحف والحارات التي لا تشيخ… وجهزت لكِ مفاجأة تليق بقلبك.

وبعد ثلاثة أيام في تلك الدولة، وقف إرث أمام المتحف الوطني.

إرث: البسي ثوب أمك… الثوب الذي طرزته بالفضة، ونسجته بالزري، وزينته بالبخاييت والسناجيف والكياس. البسي إرثك.

وعند الباب، ارتفعت لافتة تضيء الليل: “مرحباً، التقاطة إرث”.

فسقطت دمعة من عين التقاطة… دمعة فرح لم تعرف طريقها من قبل بهذه الطريقة.

إرث: المفاجأة تنتظرك بالداخل. افتحي الخزنة.

فتحت الخزنة… فوجدت كاميرا توأم كاميرتها. ضمتها إلى صدرها وقبلتها كما تُقبَّل الذكرى.

إرث: الآن… التقطي أول صورة للمعرض. أنتِ من تفتتحين إنجازك.

فشهقت التقاطة من الدهشة: الجدران كلها… كل اللوحات… كلها من عدستها!

فتقدمت إدارة المتحف، وقدمت لها الكاميرا هدية، وقالت: هذه لعين رأت الجمال حيث لا يراه أحد.

وفي ساعات، طار الخبر… في الشاشات والموجات والصحف ومنصات العالم:

زوج يهدي زوجته معرضاً كاملاً باسمها: “في أفضل متحف وطني في العالم… معرض التقاطة إرث”.

وللقصة بقية…

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img