راي اليوم
رئيس التحرير
تُعد العلاقات بين سلطنة عمان ودولة الكويت نموذجاً يُحتذى به في الدبلوماسية الخليجية، قائمة على جذور تاريخية عميقة وروابط أخوية صادقة، تتجاوز التعاون الثنائي إلى دور إقليمي بنّاء. في زمن التوترات الجيوسياسية والتحديات الاقتصادية، تمثل هذه العلاقات فرصة ذهبية لتعزيز الوحدة الخليجية وتحقيق التنمية المستدامة.
تعود العلاقات العمانية الكويتية إلى قرون مضت، مرتبطة بالتواصل البحري عبر موانئ البلدين. كانت السفن الكويتية التجارية تتخذ من الموانئ العمانية نقطة انطلاق نحو شرق آسيا وشرق أفريقيا، مما أوجد روابط تجارية واجتماعية متينة ما زالت تؤتي ثمارها حتى اليوم. شهدت العلاقات تطوراً سياسياً مع استقلال الكويت وعمان الحديث، وتعززت بالمواقف المشتركة، فعلى المستوى القيادي، جمعت علاقات وثيقة بين السلطان قابوس بن سعيد (رحمه الله) والسلطان هيثم بن طارق مع أمراء الكويت، من الشيخ صباح السالم إلى الشيخ مشعل الأحمد الصباح. هذه الروابط الشخصية والمؤسسية شكلت أساساً للثقة المتبادلة وتعاون متعدد الأبعاد في الحاضر، تشهد العلاقات تطوراً ملموساً في جميع المجالات. تعمل اللجنة العمانية الكويتية المشتركة (منذ 2003) على توسيع التعاون في الاقتصاد، التجارة، التعليم، البحث العلمي، والثقافة. بلغ حجم التبادل التجاري أرقاماً قياسية، مع استثمارات كويتية مباشرة في عمان تتجاوز مليارات الدولارات، خاصة في مشاريع مثل مصفاة الدقم (OQ8).
كلا البلدين يتمتعان بدبلوماسية هادئة ومتزنة: عمان بسياستها المحايدة ودورها كوسيط، والكويت بجهودها الدؤوبة في حل النزاعات. هذا التوافق يجعلهما صوتاً مشتركاً يدعو للحوار داخل مجلس التعاون الخليجي.
يمكن للعلاقات العمانية الكويتية أن تكون جسراً حقيقياً لمعالجة التحديات الإقليمية. تاريخياً، لعبت الكويت دور الوسيط في أزمات عديدة (مثل أزمة قطر)، مدعومة بدعم عماني. اليوم، مع استمرار توترات إقليمية وداخلية خليجية، يستطيع البلدان تعزيز الحوار داخل مجلس التعاون الخليجي لتجاوز الخلافات وتقديم مبادرات مشتركة في قضايا مثل الأمن البحري، الطاقة، والتغير المناخي و استخدام حيادهما النسبي لبناء ثقة مع أطراف خارجية (إيران، اليمن، إلخ)، مما يقلل من مخاطر التصعيد.
هذا النموذج يذكر الدول الخليجية بأن الوحدة ليست رفاهية، بل ضرورة استراتيجية لمواجهة التحديات المشتركة.
الاستفادة الاقتصادية تتجسد في شراكة واعدة اقتصادياً، تمثل العلاقات فرصة كبيرة. عمان توفر موقعاً استراتيجياً (موانئ الدقم وصلالة) وتنوعاً في السياحة والصناعات، بينما تمتلك الكويت رؤوس أموال وخبرات في الطاقة. يمكن الاستفادة من خلال تعزيز الاستثمارات المشتركة في الطاقة، اللوجستيات، السياحة، والصناعات التحويلية، مع الاستفادة من رؤية عمان 2040 ورؤية الكويت 2035.
و تسهيل التجارة عبر اتفاقيات جديدة ومنتديات اقتصادية مشتركة تجمع القطاع الخاص.
وكذلك تطوير مشاريع مشتركة في الأمن الغذائي والطاقة المتجددة، مما يعزز الاستدامة ويخلق فرص عمل.
والعمل على جذب استثمارات أجنبية عبر “بوابة خليجية” موحدة.
الأرقام تتحدث عن نفسها: نمو التبادل التجاري بنسب كبيرة في السنوات الأخيرة، وهناك إمكانية للمزيد مع إزالة العوائق البيروقراطية وتشجيع القطاع الخاص.
العلاقات العمانية الكويتية ليست مجرد علاقات ثنائية، بل نموذج للأخوة الخليجية الحقيقية. في ظل المتغيرات الإقليمية، يجب على البلدين تعميق هذا التعاون ليصبح قاطرة لاستقرار الخليج وحل مشكلاته بالحوار، ومحركاً اقتصادياً يحقق الازدهار لشعبيهما وللمنطقة بأسرها. السلام والتنمية يبدآن من خطوات عملية بين الأشقاء، وعمان والكويت خير مثال على ذلك الوقت مناسب لتحويل هذا النموذج إلى واقع إقليمي أوسع.
حفظ الله عمان ارض وشعب وسلطان وسائر بلاد العرب والمسلمين والانسانية كافة من كل شر …


