نيمبوس

نشرت :

ماجد المرهون

سمعنا كثيراً عن عن مشاريع عالمية مُلتبسة وتكتنِفها الريبة مثل: سيرن والمنطقة 51 و هايس وغيرها، وازدادت الشكوك حولها مع زيادة اقبال الناس حول العالم على متابعة البرامج التي تجذبهم إليها بمسحة غموضها، بيد ان تلك البرامج كُلها لا تجيب قطعًا عن التساؤلات الكثيرة التي تطرحها، فيبقى مضمونها ضمن الدائرةِ المُبهمة والرحبة لنظرية المؤامرة، لكن في الصحراء العربية حيث تلتقي كواليس السياسة المُعتِمة وعبقريات وادي السيليكون بالمنشآت الخرسانية المُحصنة والمراقبة على مدار الساعة، وتقبع في غُرفها المبرَّدة آلاف الخوادم الرقمية دون أن يغمض لها جفن، ويتولد مع ازيزها سلاح جديد لا يُرى بالعين ولا يُصدر ضجيجًا من فوهات البنادق والمدافع، فيتدفق تأثيره عبر الألياف الضوئية وتُحاك اهدافه من خيوطهِ الإفتراضية في الشاشات الزرقاء بأيدينا لتُصاغ مُخرجاته على شكل حروب حقيقية، يولد مشروع “نيمبوس”.

الفصل الأول للرواية يبدأ في عام 2021 سريًا من خلف الأبواب المُغلقة للدوائر الحكومية الإسرائيلية كعادتها، وبما أن خوض الحروب المستقبليةِ هاجس يؤرقها فإن الضرورة تفرِض عليها قلق الإعتماد على بيانات ومعلومات تديرها قوى خارجية والتي قد تنقطع سيَّالاتها بتغير المواقف وتتوقف امداداتها مع تقلب الظروف السياسية، ولابد من احكام القبضةِ على المعلومات لا سيَّما أن العقيدة الصهيونية تتغذى بإفتعال الخلافات واستمرار الصراعات وليس حلَّها واحتوائها، كما أن نشوء الكراهية امر طبيعي في هذا المُعترك، ومن هنا ومن رحمِ ذلك القلق الشديد ولدت مُناقصة نيمبوس الخبيثة ولادةً قيصرية في شروط واحوالٍ تعجيزية وهي متصلة بحبل سري يغذيها بميزانية فلكيةٍ رصد لها 1.2 مليار دولار كما قيل واشك ان الرقم اكبر من ذلك بكثير.

لم ترغب الحكومة الإسرائيلية في إيجاد مساحة تخزين لملفات وزاراتها المدنية فذلك امر بالغ البساطة وينطلي على البُسطاء ويفعله كل وادعٍ مطمئن، لكن المتوجس المُرتاب يعمد لتحويط نفسهِ بأسوارٍ وحواجز واشواك ليعزلهُ خوفهُ عن العالم وهذا شأنه ولن يمنعه احد ولن يرفضه القانون الدولي، إلا أن الخوف من مرحلة المخاض بلغ حد الرعب ولابد من ايجاد حصنٍ رقمي مُستحدث لا تطاله يد القانون، فتسابقت عبقرية العقول وتنافست الشركات في الحلول حتى وقع الاختيار على تحالف عملاقي المعلومات جوجل وامازون، نظرًا لسيطرتهما التامَّة على قاعدة بيانات عريضة لعملائهما، والحقيقة أن هذه الصفقة لم تكن عمليةٍ تجارية نزيهة مُجردة، بل عقدًا مشبوهًا مُبرمًا لبناء سيادةٍ رقمية مُطلقة عبر شبكة سحابية بخوادمها في الصحراء الفلسطينية المُحتلة، على ان تكون في معزل تام عن قرارات واشنطن او ضغوطات بروكسل ولا تتأثر بالمُتغيرات والأزمات العالمية.

لم يتسنَّى لمشروع نيمبوس البقاء طويلًا في مكائد الأروقة الظلامية نظرًا لارتباطه المُباشر بشركاتٍ تعتمد اعمالها على العناوين والمواقع والمعلومات الشخصية للمُستخدمين حول العالم والحريةُ مهما قُيدت لا تموت، ليتمكن بعض النُشطاء من اخراج المشروع إلى العلن عبر كشف تحركات الشركتين، لتعضل بهما الفضيحة ضد محاولة ادخال الاتفاق الى نظرية المؤامرة فيتوه فيها الناس ويختلط عليهم الفهم ويمضي المشروع سريًا حسب المُخطط له، وما كان للشركات المُتعطشة للمزيد من المال من مناص إلا التوضيح العلني الملتوي تجنبًا لقوانين الإفصاح التجارية.

يُعتبر عملاقي المعلومات الآن شركاءً اسخياء في تقديم البيانات على طبقٍ من فضة للجيش الإسرائيلي بسرعة فائقة وبشكل مشفر عبر شبكة الإنترنت من خلال خنادقها الرقمية المُحصنة تحت الأرض ضد القصف والاختراق، وقد تحولت تلك المراكز إلى بئرٍ لا ينضب حيث تتدفق المعلومات وتُسجَّل كل دقيقة لتصب في مخزونات الأجهزة الاستخباراتية الاسرائيلية وتغذيتها، بل ان الشركتين منحتا سحابة بياناتهما نظام تعلم الآلة الذكي في تصنيف وتحليل وقراءة كل شيء، وبما أن واجهة المشروع تروي حكاية رقمنة القطاعات المدنية مع أن اسرائيل لا تحتاج إلى هذا الحجم من الخوارزميات في الصحة والتعليم، فإن الأمر المُتبقي والاقرب للتصديق هو شعور الخوف من النهاية والذي حتَّم ضرورة استغلال القوة الحوسبية الهائلة ولا بأس من شراء ذمم الشركات الامريكية وتسريح موظفيها المعارضون للإرهاب المُنظَّم.

لا تكتمل عناصر الرواية إلا بلمسةِ التشويق وغالبًا ما يتألف في تصورات الصراع بين الخير والشر، وفي مُنعطف الفصل الشرير تُنبت بوادر الخير من اعماق وادي السيليكون الخصيب ويسطع التمرد من اهتزاز الجدران البراقة ويربو مع انطلاق شرارتهُ الأولى من داخل مكاتب جوجل وامازون نفسها، فأوقدها وقادها مهندسون ومبرمجون اكتشفوا استغفال عقولهم واستغلالها لتغذية آلة الحرب بإيقاع المُراقبة الجبرية الجماعية، وصرخوا بصوتٍ رافضٍ من المكاتب الأنيقة والساحات الرقيقة “لا تقنية من اجل الفصل العنصري” فسُرح المُناهض منهم تعسفيًا واستقال منهم الكثير، وتسربت المعلومات إلى الصحافة فتسائلت: هل تملك الخوارزميات ضميرًا؟ وهل تنتهي مسؤولية التجارة عندما تبدأ المسؤولية عن دم الإنسان؟

إذا انتصر الشر ظاهريًا فتلك مسألة وقت والخير لا يبلى، ولا يزال مشروع نيمبوس قائمًا ويبدو أن التصميم على المضي فيه قُدمًا إلى النهاية على حساب كل الاعتبارات الإنسانية مستمر، وهو مايتكشف للعالم يومًا بعد الآخر، وتعيد لنا هذه القضية صياغة مفهوم القوة والوعي والنزاهة والمال في القرن الحادي والعشرين صياغةً جديدةً ظاهرةً لا شك فيها، إذ لم تعد البُندقية والمدفع والصاروخ والطائرة هي الأسلحة وحسب، بل سحابة رقمية مخفية تغيم على الجميع وفي نفس الوقت لا يشعرون بها.

يجزم الكثير من الناس حول العالم أن الشركات التي تمتلك قاعدة بيانات ضخمة وتُبرم عقودًا مع كيانٍ مجرم هي شريكة في الجريمة، ولن تتردد اسرائيل في الاستمرار بممارستها على الدوام طالما انها كياناتٍ فوق نطاق قانون الجزاء وخارج حسابات المُحاسبة الدولية، ولعل قول سيء السمعة نتنياهو هو اصدق تدليلًا وهو الكذوب على ماجاء في السياق السابق حيث قال لا رضي الله عنه: “إذا كان لديك هاتف محمول فأنت تحمل معك قطعة من اسرائيل”.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img