ساعة البخور: من الصين القديمة إلى أرض اللبان

نشرت :

​في الصين القديمة، ابتكروا طريقة فريدة لقياس الوقت تُعرف بـ “ساعة البخور”، حيث يُقاس الزمن باحتراق البخور وتصاعد عطره ببطء. هذا المفهوم لا يبدو غريباً على محافظة ظفار؛ أرض اللبان، حيث يُقاس الزمن بمواسم الخريف التي تكسو الجبال باللون الأخضر في صمت ومهابة، وبدخان اللبان الحوجري الذي يعبق في الأرجاء فرضاً لإيقاعٍ من السكينة. وفي هذا السياق، يبرز طرح الفيلسوف الكوري-الألماني بيونغ-تشول هان في مقولته الفلسفية: “عصرٌ فقد فيه الزمن رائحته”؛ ففي خضم هذا الركض المستمر، لا بد من التوقف والبحث عن واحاتٍ للهدوء تعيد لأرواحنا توازنها. وإذا ما أردنا البحث عن تجسيد حيّ لهذا التوازن بين الأصالة والعمق الفلسفي، فإننا سنجده في محافظة ظفار بسلطنة عمان، حيث تتناغم الطبيعة الخلابة مع جهود مؤسسات مجتمعية سعت إلى ترسيخ قيم البناء المتمهل والمستدام.

​عند إسقاط هذه الفلسفة على الواقع المجتمعي والمؤسسي في محافظة ظفار، نجد أن العديد من الجهات تعمل كواحات تعيد للإنسان توازنه وتنقذه من فخ الاستهلاك السريع والإرهاق المتواصل. فالمديرية العامة لحماية المستهلك بمحافظة ظفار تقف في مواجهة النيوليبرالية التي تدفع الإنسان نحو الاستهلاك المفرط واللاهث؛ حيث تعمل هذه المؤسسة على تعزيز ثقافة الاستهلاك الواعي من خلال مبادراتها التوعوية وحملاتها الميدانية المستمرة، دافعةً الأفراد للتوقف والتأمل قبل الشراء، مما يعيد للمستهلك سيطرته على قراراته ويحميه من الاندفاع الأعمى خلف المغريات التجارية اللانهائية.

​أما الكلية المهنية بصلالة، فتؤكد أن إتقان أي حرفة أو مهارة إدارية يتطلب وقتاً وتركيزاً عميقاً؛ إذ تجسد بيئتها الأكاديمية والمهنية هذا المبدأ الفلسفي. فالتعليم المهني لا يعترف بالسرعة السطحية، بل يرتكز على الممارسة والصبر، والتأرجح الصحي بين الفعل (التدريب والمشاريع) والتأمل (استيعاب النظريات وتصحيح المسار)، لينتج مخرجات متقنة لعملها، بعيدة عن وهم “تعدد المهام” المشتت للذهن.

​وفي القطاع السياحي بالمحافظة، يُسلط الضوء على المعالم التاريخية العريقة كآثار منطقة الشصر (أوبار) وغيرها من المواقع التي تقع تحت مظلة التاريخ العالمي بوصفها مسارات للتجارة القديمة. تشكل هذه الأماكن مصدراً لتعزيز السياحة الثقافية العميقة؛ وهو توجه يدعو الزائر للتمهل لقراءة التاريخ ولاستنشاق عبق المكان، رافضاً فكرة السياحة السريعة المستهلكة التي تفتقر إلى العمق المعرفي والروحاني.

​وفي الختام، إن استعادة “رائحة الزمن” لا تعني التوقف عن العمل أو إعاقة عجلة التنمية، بل تعني استعادة السيطرة على إيقاع الحياة. وتُظهر مؤسسات المجتمع في محافظة ظفار أن بالإمكان بناء منظومة متكاملة تتنفس بعمق، تدير طاقة الإنسان بحكمة، وتبني رصيداً معرفياً ومجتمعياً متيناً يوازن بين متطلبات الإنجاز وحاجة الروح للسكينة. ولكن، يبقى التساؤل المُلِح الذي تطرحه فلسفة التمهل وتدعمه بيئة ظفار: متى كانت آخر مرة سمحت فيها لنفسك أن تفكر في شيء واحد، في فكرة واحدة، وفي لحظة واحدة… دون أن تستعجل الخروج منها؟

د. سالم سهيل الكثيري

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img