ما أبهى الكلمة حين تتوشح بالسمو، وما أعمق أثرها حين تنبع من قلبٍ يعرف قدرها، فتخرج نقيةً كالنور، رفيعةً كالقيم، خالدةً كالأثر الجميل. إن الكلمة ليست مجرد حروفٍ تُنطق، ولا أصواتٍ تُسمع، بل هي كيانٌ حيٌّ يحمل في جوهره روح القائل، وصدق الشعور، ووعي المقصد.
وللكلمة سموٌّ كما للأفعال سموّ، بل لعلها أسبق؛ إذ بها تُبنى النوايا، وتُصاغ الأفكار، وتُرسم ملامح العلاقات الإنسانية. فالكلمة الطيبة ترفع، وتُحيي، وتداوي، وتُنشئ جسورًا من المودة والاحترام، بينما الكلمة الجارحة تهدم، وتكسر، وتترك في النفس ندوبًا قد لا تُمحى.
إن سمو الكلمة يكمن في صدقها، وفي اختيارها بعناية، وفي توقيتها الذي يلامس الحاجة دون إفراطٍ أو تفريط. فليست كل كلمةٍ تُقال تستحق أن تُسمع، ولا كل عبارةٍ تُكتب تستحق أن تُقرأ؛ إنما السموّ في انتقاء ما يُقال، وكيف يُقال، ولماذا يُقال.
ولقد أدركت الحضارات الراقية أن الكلمة مسؤولية، وأنها مرآة الوعي الإنساني، فارتقت بخطابها، وهذّبت لغتها، وجعلت من القول فنًّا ومن التعبير رسالة. فالإنسان يُعرف بلسانه كما يُعرف بفعله، بل إن الكلمة قد تسبق الفعل فتُمهّد له، أو تعقبه فتُخلّد أثره.
وفي زمنٍ تتسارع فيه الكلمات، وتُلقى دون تمحيص، يصبح السموّ خيارًا نادرًا، يحتاج إلى وعيٍ عميق، ونفسٍ متزنة، تُدرك أن للكلمة وزنًا، وأنها قد تكون سببًا في بناء إنسانٍ أو انكساره. ومن هنا، فإن الارتقاء بالكلمة ليس ترفًا لغويًا، بل ضرورةٌ أخلاقيةٌ وثقافية.
فلنُحسن اختيار كلماتنا، ولنجعل منها رسائل نور، تُعبّر عن قيمنا، وتُجسّد إنسانيتنا، وتترك أثرًا طيبًا في نفوس الآخرين. فالكلمة السامية لا تموت، بل تبقى شاهدًا على رقيّ قائلها، وعنوانًا لنبله.
إن سمو الكلمة… هو سمو الروح حين تتحدث.
بقلم:
عائشة بنت عمر حسن العيدروس
(ابنة المنصب)


