بقلم : إيمان بنت الصافي الحريبي
حين تعجز النظريات عن تفسير الواقع، تتولى الوقائع إعادة صياغة الأسئلة. وما تشهده منطقتنا اليوم ليس مجرد أزمة عابرة تُضاف إلى سجل الأزمات، بل لحظة مراجعة للمفاهيم التي حكمت التفكير في أمن الخليج طوال عقود. فالأزمات الكبرى لا تختبر قدرات الدول فحسب، وإنما تختبر أيضًا صلاحية الأفكار التي بُنيت عليها السياسات، وتدفع إلى إعادة النظر في المسلمات التي طال التعامل معها بوصفها حقائق لا تقبل المراجعة.
وفي خضم النقاشات التي أعقبت الحرب الأخيرة، برزت رؤية عُمانية تستحق التأمل؛ لأنها لم تنشغل بتوصيف الأزمة بقدر ما انشغلت بالسؤال الأهم: هل ما زالت المقاربات الأمنية التي حكمت المنطقة لعقود قادرة على إنتاج استقرار مستدام؟ ومن هنا جاءت الدعوة إلى إعادة التفكير في الأسس التي قام عليها النظام الأمني في الخليج، والانتقال من منطق الاحتواء إلى مقاربة تقوم على الإدماج الإقليمي، بحيث تصبح دول المنطقة شريكًا في صياغة أمنها وتحمل مسؤولياته، لا مجرد متلقية لترتيبات تُصاغ خارجها.
وقد عبّر معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، عن هذه الرؤية في مقاله المنشور بصحيفة لوموند الفرنسية، داعيًا إلى مراجعة الترتيبات الأمنية التي تشكلت منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، وإلى بناء إطار إقليمي أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار، يقوم على المسؤولية المشتركة واحترام سيادة الدول، بدلًا من المقاربات التي أثبتت التجربة الحاجة إلى مراجعتها.
غير أن أهمية هذه الرؤية لا تكمن في بعدها السياسي فحسب، بل في أنها تنقل النقاش من إدارة الأزمات إلى مراجعة الفلسفة التي يُبنى عليها الأمن الإقليمي. فالتاريخ يعلمنا أن الأزمات لا تكشف هشاشة الوقائع وحدها، وإنما تكشف أيضًا حدود الأفكار التي أدارت تلك الوقائع.
ولعل مضيق هرمز يقدم التطبيق العملي لهذه الفكرة. فالقضية لا تتعلق بالممر البحري في حد ذاته، وإنما بالكيفية التي تُدار بها الجغرافيا. وحين تفرض الطبيعة مسؤوليات مشتركة على الدول المشاطئة، يصبح الحوار والتعاون ضرورة تمليها حقائق المكان قبل أن يكونا خيارًا سياسيًا. ومن هنا، فإن استدامة أمن المضيق لا تتحقق بردود الأفعال، بل ببناء ترتيبات واقعية تحفظ حرية الملاحة، وتحترم سيادة الدول، وتستند إلى القانون الدولي.
وفي هذا السياق، جاء البيان الأخير لوزارة الخارجية ليجسد الموقف الرسمي لسلطنة عُمان، مؤكدًا أن السلطنة تواصل «تعاونها الشفاف والمحايد مع جميع الأطراف ذات الصلة لاستعادة حرية الملاحة في المضيق، بما يتوافق تمامًا مع القانون الدولي»، كما جدد التزامها الكامل بواجباتها بوصفها دولةً طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ودعت جميع الأطراف إلى احترام القانون الدولي والعمل بموجبه.
وتكشف هذه الصياغة عن سمة أصيلة في السياسة العُمانية؛ فهي لا تبني مواقفها على الاصطفافات، ولا تحصر معالجاتها في علاقات ثنائية، وإنما تنطلق من أن أمن الممرات البحرية مسؤولية مشتركة، وأن القانون الدولي هو المرجعية التي ينبغي أن تنتظم في إطارها الجهود الرامية إلى حماية الملاحة وتعزيز الاستقرار. كما أن اختيار عبارة «جميع الأطراف ذات الصلة» يعكس اتساع النظرة العُمانية، وابتعادها عن اختزال القضايا الإقليمية في علاقات ثنائية، أو في معادلات تقوم على الاستبعاد، بقدر ما تقوم على تحمل المسؤولية المشتركة.
غير أن هذه الرؤية لا يمكن قراءتها بمعزل عن خصوصية السياسة العُمانية، فهي ليست استجابة لظرفٍ آني، ولا مراجعة فرضتها أزمة عابرة، وإنما تعبير عن نهجٍ تبلور عبر التاريخ، يقوم على استقلال القرار الوطني، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والإيمان بأن الأمن الحقيقي لا يُبنى على موازين القوة وحدها، بل على بناء الثقة، وتعزيز الحوار، والالتزام بالقانون الدولي.
وليس من قبيل المصادفة أن تحافظ عُمان على هذا النهج؛ فهو امتداد لمسيرة وطن تعود جذوره لأكثر 281 عامًا، حيث بقيت السياسة العُمانية وفية لثوابتها، رغم تغير موازين القوى وتعاقب التحولات الإقليمية والدولية، لأن هذه الثوابت لم تكن رد فعل على الأحداث، بل جزءًا من هوية الدولة وفلسفتها في إدارة علاقاتها مع محيطها.
وقد عبّر السلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – عن جوهر هذه السياسة بقوله: «سياستنا الخارجية تقوم على انتهاج سياسة حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة». ولم تكن هذه الكلمات مجرد إعلان لمبادئ دبلوماسية، بل وصفًا لنهجٍ التزمت به عُمان في ممارساتها، فحافظت على استقلال قرارها، وبنت جسور التواصل مع مختلف الأطراف، دون أن تساوم على سيادتها أو مصالحها الوطنية.
وعندما تولى حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله – مقاليد الحكم، أكد استمرار هذا النهج، مشددًا في خطابه الأول على أن السياسة الخارجية العُمانية ستواصل ارتكازها على التعايش السلمي بين الأمم والشعوب، وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، واحترام سيادة الدول. ولم يكن ذلك إعلانًا عن توجه جديد، بقدر ما كان تأكيدًا لاستمرارية رؤية أثبتت قدرتها على مواكبة المتغيرات، دون أن تفقد ثوابتها.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الدعوة إلى إعادة النظر في منظومة الأمن الإقليمي بوصفها امتدادًا طبيعيًا لهذا النهج؛ فهي لا تستهدف استبدال الشراكات، ولا إعادة رسم الاصطفافات، وإنما تنطلق من قناعة بأن استقرار الخليج مسؤولية مشتركة، وأن أي نظام أمني أكثر استدامة لا بد أن يُبنى بمشاركة دول المنطقة نفسها، وعلى أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا على منطق الاستبعاد أو الاحتواء.
ولعل هذا الفهم يجد سنده أيضًا في الهدي الإسلامي، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة الأنفال: الآية 61]. فالسلام في المنظور الإسلامي ليس تنازلًا عن الحقوق، وإنما اختيار للحكمة حين يكون سبيلًا إلى حفظ المصالح ودرء أسباب النزاع، وهو ما ينسجم مع السياسة العُمانية التي جعلت من الحوار وسيلةً لإدارة الخلافات، دون أن يكون ذلك على حساب السيادة أو المصالح الوطنية.
وربما تكمن القيمة الأعمق لهذه الرؤية في أنها لا تدعو إلى مراجعة سياساتٍ بعينها، بقدر ما تدعو إلى مراجعة طريقة التفكير في أمن الخليج نفسه. فالأمن لا يتحقق بتراكم أدوات الردع وحدها، ولا ببناء التحالفات وحدها، وإنما ببناء منظومة إقليمية تجعل السلام مصلحةً مشتركة، والاستقرار مسؤوليةً جماعية، والقانون الدولي مرجعيةً تُبنى عليها العلاقات، لا مجرد أداة يُحتكم إليها عند الأزمات.
وقد تتغير التحالفات، وتتبدل موازين القوى، لكن الجغرافيا تظل الحقيقة الأكثر ثباتًا في السياسة. فهي لا تفرض على الدول أن تتفق، لكنها تفرض عليها أن تتعايش، وأن تبحث عن صيغٍ توازن بين حماية مصالحها الوطنية، وصون استقرار الإقليم الذي يجمعها. ومن هنا، فإن إدارة الجغرافيا ليست مسألة حدودٍ أو ممراتٍ بحرية فحسب، بل هي في جوهرها إدارةٌ للعلاقات، وللمصالح، وللمستقبل.
وعلى امتداد تاريخها، لم تنظر عُمان إلى موقعها الجغرافي بوصفه عبئًا يفرض عليها الانحياز، ولا فرصةً لتحقيق مكاسب ظرفية، بل مسؤوليةً تقتضي بناء الجسور، وترسيخ الثقة، والمحافظة على قنوات الحوار، لأن الجغرافيا في النهاية قدرٌ مشترك، أما طريقة إدارتها فهي خيارٌ تصنعه الدول بحكمة سياساتها.
ولذلك، لم يكن جوهر السياسة العُمانية يومًا إدارة الأزمات بعد وقوعها، وإنما السعي إلى بناء بيئةٍ تقل فيها احتمالات الأزمات من الأساس. فحسن الجوار، واحترام السيادة، والتمسك بالقانون الدولي، والانفتاح على الحوار، ليست مبادئ متفرقة، بل منظومة واحدة، اكتسبت مشروعيتها من اتساقها عبر الزمن، ومن قدرتها على التكيف مع المتغيرات دون أن تفقد ثوابتها.
ومن هنا، فإن الجغرافيا لا تُحتوى… لأنها ليست خصمًا يُهزم، ولا واقعًا يمكن تجاوزه، بل حقيقةٌ تُفهم، وتُدار بالحكمة، ويُنظَّم أثرها بالقانون، وتُبنى حولها علاقاتٌ تصنع الاستقرار. ولعل هذا هو جوهر السياسة العُمانية؛ سياسةٌ لم تراهن يومًا على تغير الجغرافيا، بل على حسن إدارتها، ولم تبنِ حضورها على إدارة الأزمات، بل على بناء الثقة، وإعلاء الحوار، والتمسك بثبات المبادئ.


