الحكواتية والكاتبة/ ثمنة الجندل
اليوم، في معظم البيوت العُمانية حكاياتٌ مختلفة، وقد تعودنا أن تكون للحكاية دائمًا نهاية سعيدة. أما حكايات اليوم، فنهايتها ما زالت معلقةً في قلوبٍ تنتظر بين الدعاء والرجاء، وعيونٍ تترقب لحظةً واحدة قد تختصر شهورًا من الجد والاجتهاد.
إلى أحبتي وأولادي، طالبات وطلاب دبلوم التعليم العام…
أعلم يقينًا ما يختلج في صدوركم الآن من مشاعر. أعرف حجم القلق والترقب والخوف الذي يسبق لحظة إعلان النتائج. وهذا الشعور ليس غريبًا علينا؛ فقد مررنا به جميعًا ذات يوم. عشنا تلك الليالي التي جافى فيها النوم عيوننا، وتلك الساعات التي كانت تمضي ببطء شديد، بينما كانت خفقات قلوبنا تتسارع مع كل دقيقة.
وكان آباؤنا وأمهاتنا يعيشون القلق مثلنا، بل ربما أكثر منا، ينتظرون الخبر الذي يطمئن القلوب ويبهج البيوت.
ولأن أجدادنا كانوا يخففون علينا وطأة المواقف بما حفظوه من أمثالٍ شعبية تصف هذه اللحظات بدقة، قالواا:
“اللِّي في القِدِر، يِطلَعُه المِلاس.”
أي أن ما وُضع في القدر سيظهر عند التحريك، وكذلك ما خطته أيديكم في أوراق الإجابة سيظهر كما هو، فلا يزيده القلق ولا ينقصه الخوف.
وقالوا أيضا:
“با يِبان خَدِّك يا عروس.”
أي إن لحظة الحقيقة قد اقتربت، وسيُكشف الستار عن حصاد التعب والاجتهاد.
ثم يأتي المثل الذي يربت على القلوب:
“من صبر ظفر.”
فما من تعبٍ يضيع عند الله، وما من اجتهادٍ صادق إلا وله ثمرة، وإن اختلف موعد قطافها.
ومع كل دقة قلب تقترب من ساعة إعلان النتائج، يلهج اللسان بدعاء جميل نحفظه جميعًا:
“يا الله… بفرحةٍ على غفلة.”
تلك الفرحة التي تأتي فجأة، فتغسل تعب الأيام، وتملأ البيوت ضحكًا ودموعًا لا تعرف إلا الفرح.
إن شهادة دبلوم التعليم العام محطةٌ مهمة، فهي أولى الخطوات نحو المستقبل، وبوابة يختار من خلالها الطالب طريقه العلمي والمهني، لكنها تبقى محطةً من محطات الحياة، وليست الحياة كلها.
وأعود بذاكرتي إلى أيامٍ جميلة، حين كانت النتائج تُذاع عبر أثير الإذاعة ليلًا، ثم تُنشر في صحف الصباح. كانت القرى والحارات كلها تنتظر مع الطالب، وكأن النجاح نجاح الجميع.
وكانت الأغنيات تسبق الفرحة، فيغني العندليب عبد الحليم حافظ:
“وحياة قلبي وأفراحه… وهناه فى مساه وصباحه…ما لقيت فرحان في الدنيا زي الفرحان بنجاحه.”
وتصدح الفنانة ليلى نظمي بصوتها المبهج:
“جاي منين؟ من الثانوية… ورايح فين؟ ع الكلية.”
كانت تلك الأغنيات تفتح أبواب الفرح للناجحين، لكنها كانت أيضًا تثقل قلب من لم يحالفه الحظ، فيحتاج يومها إلى كلمة طيبة أكثر من أي شيء آخر.
أما اليوم، فقد تغيّر الزمن. لم نعد ننتظر الإذاعة ولا الصحف؛ فبضغطة زر، وفي اللحظة المحددة، تصل النتيجة إلى الهاتف، ويُرفع الستار عن حصاد عام كامل من الاجتهاد.
وإلى أن تدق تلك الساعة المرتقبة، أهديكم هذه الوصايا، لعلها تجعل الانتظار أخف على القلوب
- أكثروا من الدعاء والذكر، وأحسنوا الظن بالله، فما اختاره الله لعبده هو الخير.
- تنفسوا بعمق، فالتنفس الهادئ يساعد على تهدئة الجسد والعقل.
- اشغلوا وقتكم بالمشي أو بأي نشاط تحبونه، في الحركة بركة، فهي تفرغ طاقة القلق.
- لا تظلوا تحدقون في شاشة الهاتف كل دقيقة، بل اجلسوا مع عائلاتكم، وتبادلوا الأحاديث والابتسامات.
وتذكروا دائمًا أن النتيجة رقم يقيس مرحلةً دراسية، لكنه لا يقيس أخلاقكم، ولا طموحكم، ولا قيمتكم الإنسانية.
وأخيرًا…
إذا أكرمكم الله بالنجاح، فاحمدوه، واشكروا والديكم ومعلميكم وكل من كان سببًا في وصولكم إلى هذه اللحظة.
وإن تعثر أحدكم، فلا يظن أن الحكاية انتهت.
فكم من ناجح بدأ حياته بعثرة، وكم من حلم تأخر حتى نضج صاحبه. فالإخفاق ليس نهاية الطريق، بل بداية مراجعة، وإعادة ترتيب، وانطلاقة أكثر قوة.
أسأل الله تعالى أن يفرح قلوبكم جميعًا، وأن يجعل نتائجكم بداية لمستقبل يليق بأحلامكم، وأن يرزق كل مجتهد نصيبه من التوفيق والنجاح.


