مصر في القلب تسابق الوقت وذكريات لا يطويها الزمن

نشرت :

حمود بن علي الطوقي

هناك دول تزورها فتغادرها، وهناك دول تسكن القلب والذاكرة مهما ابتعدت عنها. ومصر بالنسبة لي ليست مجرد وجهة سفر، بل صفحة مضيئة من صفحات العمر، رافقتني منذ سنوات الدراسة، ثم امتدت لترافقني في رحلتي الصحفية والمهنية، حتى أصبحت كل زيارة إليها فرصة لاكتشاف جديد، واستحضار جميل لما مضى.

وخلال زيارتي الأخيرة للقاهرة والإسكندرية، وجدت نفسي أقف أمام مشهد تنموي كبير يؤكد أن مصر تخوض سباقًا حقيقيًا مع الزمن، من خلال تنفيذ مشروعات وطنية عملاقة، وبناء مدن جديدة، وتطوير البنية الأساسية، وتحديث شبكات الطرق والنقل، وإقامة المرافق السياحية والثقافية والترفيهية، بما يعكس رؤية واضحة لبناء مستقبل أكثر إشراقًا.

والأجمل في هذه النهضة أنها ليست نهضة إسمنت وحديد، بل نهضة تقودها العقول المصرية والكفاءات الوطنية التي تدير هذه المشروعات وتنفذها، وتقدم نموذجًا يؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان.

الإسكندرية… مدينة تعشق التجدد

في الإسكندرية، عروس البحر الأبيض المتوسط، يلاحظ الزائر حجم التطوير الذي طال كورنيش المدينة، وما صاحبه من توسعات بحرية وإنشاء ممشى أهل الإسكندرية، الذي أصبح متنفسًا حضاريًا يجمع بين جمال البحر وروعة التصميم.

كما انتشرت المطاعم والمقاهي والمرافق السياحية الحديثة، مع الحفاظ على روح المدينة التاريخية التي ما زالت تتجلى في المنشية ومحطة الرمل وميدان سعد زغلول وقلعة قايتباي ومكتبة الإسكندرية.

إنها مدينة تعرف كيف تحافظ على تاريخها، وفي الوقت نفسه تفتح أبوابها للمستقبل.

القاهرة… مدينة لا تتوقف عن النمو

أما القاهرة، فقد تجاوزت مفهوم العاصمة التقليدية، لتصبح منظومة من المدن الحديثة، تمتد من القاهرة الجديدة إلى التجمع الخامس والتجمع الثالث والرحاب ومدينتي، وصولًا إلى العاصمة الإدارية الجديدة.

هذه المدن ليست مجرد أحياء سكنية، بل مجتمعات متكاملة تضم الجامعات والمستشفيات والمدارس والمراكز التجارية والمطاعم والفنادق والمرافق الترفيهية، وتوفر بيئة جاذبة للاستثمار والعمل والحياة.

ويبرز في قلب القاهرة ممشى أهل مصر الذي أعاد الحياة إلى ضفاف النيل، ليصبح واحدًا من أجمل المشاريع السياحية والترفيهية، فيما يواصل المتحف القومي للحضارة المصرية تقديم صورة مشرقة عن حضارة مصر الممتدة لآلاف السنين، جامعًا بين عراقة التاريخ وحداثة العرض المتحفي.

مطار القاهرة… بوابة العالم إلى مصر

ويكتمل هذا المشهد الحضاري بما شهده مطار القاهرة الدولي من تطوير كبير في مباني الركاب والمرافق والخدمات، وتحديث أنظمة السفر والوصول، بما يواكب مكانة مصر المتنامية في قطاع النقل الجوي.

وأصبح المطار اليوم واحدًا من أهم المطارات في المنطقة، وبوابة رئيسية لعبور عشرات الرحلات الجوية يوميًا إلى مختلف عواصم العالم، مستفيدًا من الموقع الجغرافي المتميز للقاهرة، ومن شبكة الطيران الواسعة التي تربط مصر بقارات آسيا وأفريقيا وأوروبا والأمريكيتين.

ومنذ اللحظة الأولى لوصول الزائر، يشعر بأن المطار يعكس صورة مصر الحديثة؛ دولة تستثمر في بنيتها الأساسية، وتعمل على ترسيخ مكانتها مركزًا إقليميًا للطيران والسياحة والأعمال.

من ذاكرة عام 1984

وأنا أكتب هذه السطور، تعود بي الذاكرة إلى أول زيارة لي إلى جمهورية مصر العربية عام 1984، حين كنت طالبًا في المرحلة الإعدادية. كانت مصر بالنسبة لنا آنذاك تختصرها الصور التي نشاهدها في الكتب المدرسية والتلفزيون؛ أهرامات الجيزة، وبرج القاهرة، ونهر النيل، والقاهرة المكتظة بالحركة والسكان.

لكن تلك الزيارة لم تكن عابرة، فقد بقيت مصر حاضرة في وجداني طوال أكثر من أربعة عقود. ولم تغب عن برنامجي، فعدت إليها في مناسبات عديدة، وفي كل زيارة كنت أجد مصر مختلفة، تضيف إلى تاريخها إنجازًا جديدًا.

وكانت آخر زيارة لي قبل هذه الرحلة في عام 2024، عندما تشرفت بحضور فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي حلت فيه سلطنة عُمان ضيف شرف، وهي مناسبة جسدت عمق العلاقات الثقافية بين البلدين، وأبرزت المكانة التي تحظى بها الثقافة العُمانية في مصر.

واليوم، وبعد أكثر من أربعين عامًا، أقف أمام مصر مختلفة تمامًا عن تلك التي عرفتها طالبًا صغيرًا؛ مصر تبني مدنًا جديدة، وتطور مطاراتها وطرقها وموانئها، وتعيد صياغة حاضرها بثقة، دون أن تتخلى عن تاريخها العريق.

مصر التي علمتنا

ويبقى الجانب الأجمل في علاقتنا نحن أبناء هذا الجيل بمصر، هو ذلك الأثر الإنساني العميق الذي تركه أبناؤها في حياتنا.

فقد تشرفنا بأن نتلقى العلم على أيدي أساتذة مصريين أفاضل، سواء في مدرسة المتنبي بإبراء ومن بعد مدرسة روي اسماء لامعة من المدرسين زرعوا فينا حب المعرفة والانضباط، وقدموا لنا من خبراتهم الكثير. وما زلت حتى اليوم أحرص، كلما زرت مصر، على التواصل مع عدد منهم وزيارتهم، وفاءً لما قدموه لنا من علم ومحبة.

أما في بلاط صاحبة الجلالة ( الصحافة، )فإن لمصر فضلًا لا يمكن أن أنساه. فقد تعلمت أبجديات العمل الصحفي والكتابة المهنية على أيدي نخبة من الصحفيين المصريين الذين عملوا في سلطنة عُمان، وكانوا بحق مدرسة إعلامية متكاملة.

ومن باب الوفاء، أذكر بكل اعتزاز أسماء ستظل محفورة في ذاكرتي، وهم الأساتذة: مجدي العفيفي، وأحمد أنور، ومؤمن خليفة، وسامي حامد، ومحمود سرحان، وصلاح جابر، وفوزي رمضان، فوزي مخيمر وشوقي حافظ، وعصام حشيش، وحسين عبدالغني، وعبدالله حسن، وعبدالستار خليف، ومحمد المكاوي، وجودة، وعلي مرسي، وأيمن زيدان، وقدري عطية. وغيرهم من الأسماء التي كان لها أثر كبير في مسيرتي الصحفية.

لقد عمل هؤلاء في سلطنة عُمان سنوات طويلة، وأسهموا في صناعة تجربة صحفية متميزة، ثم عاد كثير منهم إلى مصر ليشغلوا مواقع مرموقة في المؤسسات الصحفية والإعلامية المصرية. ومنهم تعلمنا احترام الكلمة، وأخلاقيات المهنة، والبحث عن الحقيقة، وكيف تكون الصحافة رسالة قبل أن تكون وظيفة.

ولهؤلاء جميعًا أقول اليوم: شكرًا… فقد كنتم جزءًا أصيلًا من تكويننا المهني والإنساني.

عُمان ومصر… أخوة لا تعرف الزمن

لقد ظلت العلاقات العُمانية المصرية، عبر العقود، نموذجًا للعلاقات العربية الأصيلة، القائمة على الاحترام والمحبة والتعاون الصادق. ولم تقتصر هذه العلاقة على التعاون السياسي والاقتصادي، بل امتدت إلى الثقافة والتعليم والإعلام والفنون، وإلى العلاقات الإنسانية التي نسجها أبناء البلدين على مدى عقود طويلة.

ولعل آلاف العُمانيين الذين تعلموا على أيدي معلمين وأساتذة وصحفيين وأطباء ومهندسين مصريين، هم خير شاهد على عمق هذه العلاقة، تمامًا كما وجد المصريون في سلطنة عُمان وطنًا ثانيًا، أسهموا فيه بعلمهم وخبراتهم، وكانوا شركاء في مسيرة النهضة المباركة.

واليوم، تتواصل هذه العلاقة الوثيقة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، وأخيه فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، بما يعزز آفاق التعاون بين البلدين في مختلف المجالات.

وفي نهاية هذا المقال، أدرك أنني لم أكتب عن مدينة أو طريق أو مشروع أو مطار فحسب، بل كتبت عن وطن عربي كبير رافقني منذ الصغر، وعن ذكريات عمرها أكثر من أربعين عامًا، وعن أساتذة وأصدقاء وزملاء تركوا في حياتي أثرًا لا يمحوه الزمن.

لقد غادرت مصر مرات كثيرة، لكنها لم تغادر قلبي يومًا. فمن زيارة طالب في عام 1984، إلى زيارات صحفي يحمل قلمه بعد أربعة عقود، بقيت مصر كما عرفناها دائمًا… كبيرة بتاريخها، عظيمة بأهلها، ومتجددة بطموحها، وستظل بحق “أم الدنيا” وتحيا مصر. بقيادة رئيسها عبدالفتاح السيسي

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img