رأي اليوم
صحيفة اليوم العُمانية
في ظفار التي تزهو بخضرتها الاستوائية ونسيم خريفها الرطب وجمال طبيعتها ، تشهد انشاء العديد من الطرق بها وهذا الامر تشكر عليه الجهات المعنية لما سيكون كان لها من دور في تسهيل الأمور وسلاسة الحرك بها وهنا يمكن ان ناخذ شارع السلطان قابوس – من إشارات قصر الحصن إلى دوار الدهاريز – تحولاً كبيراً. مشروع ازدواجية بطول نحو 8.6 كم، بتكلفة تجاوزت 16 مليون ريال عماني وقد فُتح مؤخراً ليخفف الازدحام خاصة في موسم الخريف. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: أين موقع هذا الشارع (ومعظم الشوارع الجديدة مثل الفاروق والسلطان تيمور) من أنسنة المدن؟ هل يكفي أن يكون طريقاً مزدوجاً واسعاً، أم يجب أن يصبح فضاءً عاماً ينبض بالحياة الاجتماعية والرياضية والترفيهية والجمالية؟
الواقع الحالي إسفلت وكونكريدي “صامت” والمشاهد المألوفة اليوم في هذه الشوارع تثير الشعور بالاغتراب و أرصفة ضيقة أو غير مكتملة، لا تُشجع على المشي وغياب مسارات آمنة ومظللة للمشاة، وخاصة أصحاب الهمم وقلة المساحات الخضراء والجلسات العامة ، تصميم تركز على السيارات فقط، مما يجعل الشارع “غير تفاعلي” مع المارة والعائلات والرياضيين. هذا النمط، الذي تكرر في شارع الفاروق وشارع السلطان تيمور وغيرها، يعكس أولوية تحسين الانسيابية المرورية – وهي ضرورية بلا شك – لكن لا تكون على حساب جودة الحياة و النتيجة للاسف شوارع حديثة تقنياً، لكنها باردة جمالياً واجتماعياً، تُشبه “عمل إسفلتي وكونكريدي” كما وصفتها تماماً.
ان أنسنة المدن مفهوم عالمي يليق بظفار كمحافظة وصلالة كولاية فهي أصبحت حاجة لا رفاهية، بل ضرورة تنموية. تعني جعل المدينة مكاناً يركز على الإنسان يشجع على المشي، يعزز الصحة، يبني علاقات اجتماعية، ويحافظ على الهوية المحلية. في صلالة، التي تخطط لـ”مدينة صلالة المستقبلية” شرق الدهاريز بمخططات طموحة من وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، يجب أن تكون هذه الشوارع الرئيسية نموذجاً لهذا التوجه.
فكيف نجعل هذه الطرق أكثر قرباً من الناس؟ طبعا من مسارات المشاة والدراجات وتوسيع الأرصفة إلى 2-3 أمتار على الأقل، مع أسطح مضادة للانزلاق وميلان مناسب لأصحاب الهمم و إنشاء مسارات دراجات منفصلة ومتصلة بشبكة خضراء تظليل كثيف بأشجار محلية ومظلات حديثة. هذا بجانب البعد الرياضي والصحي من خلال ممرات رياضية مخصصة مع أجهزة تمارين عامة تطبيقات أو لوحات إرشادية تشجع على المشي أو الركض، مع قياس المسافات وكذلك ربط الشارع بشواطئ الدهاريز والبليد والحافة والحصن عبر ممرات خضراء. هذا بجانب الجمالية والهوية المحلية من خلال تصميم معماري يعكس التراث الظفاري مع عصرنته والحرص على تقليل “التشويه” بضوابط صارمة على الإعلانات واللافتات.
هنا نقدم دعوة للجهات المعنية منها بلدية ظفار ووزارة الإسكان والتخطيط العمراني ووزارة النقل لديها فرصة ذهبية الآن، أثناء تنفيذ هذه المشاريع أو صيانتها المستقبلية. بدلاً من الاكتفاء بالازدواجية، حوّلوها إلى مشروع حضري متكامل. الاستثمار في الأنسنة ليس تكلفة إضافية كبيرة إذا دُمج من البداية، ويعود بفوائد اقتصادية (جذب السياحة، تنشيط التجارة) واجتماعية (صحة عامة أفضل، تماسك مجتمعي).
ظفار تستحق شوارعاً تُشبهها حية، خضراء، دافئة، تفاعلية. ليس مجرد ممرات للسيارات، بل شرايين حياة تجمع الناس وتعكس كرامتهم وحاجاتهم الإنسانية. الوقت مناسب للانتقال من “الطريق الوظيفي” إلى “المكان الحضري الجذاب”.
هل سنرى ذلك في المرحلة القادمة من تطوير الشوارع؟ المجتمع ينتظر.
حفظ الله عمان وشعبها وسلطانها والأمة العربية والإسلامية من كل سوء …


