بقلم / عزان الجبلي
تتحرك منطقة الشرق الأوسط اليوم فوق صفيح ساخن من التحولات الجيوسياسية، حيث تعيد صياغة مواقف الدول تجاه السياسات والتحالفات الإقليمية. هذا المشهد يشهد انقساماً راديكالياً حاداً في الآراء، وتعدداً في القراءات الاستراتيجية التي تحاول تفكيك شيفرة الصراع المعقد بوضوح.
وتتجلى أبعاد هذا المشهد الاستراتيجي عبر جبهتين متناقضتين؛ الأولى يمثلها أنصار المحور الإيراني، الذين ينظرون إلى تحالفات طهران الممتدة (ما يُعرف بمحور المقاومة) بوصفها خط الدفاع الأمامي والوحيد في مواجهة الهيمنة الاستعمارية، والسياسات الغربية-الإسرائيلية التي تستهدف تفتيت المنطقة وسلب مقدراتها.
في المقابل، تقف الجبهة الثانية المتمثلة في المناهضين للسياسة الإيرانية، والذين يوجهون اتهامات مستمرة لطهران بنشر الفوضى وتقويض الاستقرار عبر دعم أذرع عسكرية غير نظامية تتدخل في الشؤون السيادية للدول العربية وتغذي الصراعات الأهلية.
لكن القراءة السطحية للمشهد تسقط عمداً حقيقة موضوعية؛ وهي أن إيران تخوض معركة دفاع استباقي عن أمنها القومي وجودياً. لذا نرى أن استهدافها للمصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة ليس فوضى عبثية، بل هو ردع عسكري مباشر لمحاولات الحصار الخانق، ورسالة واضحة بأن أي مساس بسيادتها سيجعل من تلك القواعد المنتشرة في الجغرافيا العربية أهدافاً مشروعة.
وفي خضم هذا التجاذب الحاد، تبرز جبهة ثالثة تتبنى منهج التوازن والحياد؛ وهي دول آثرت الانكفاء على ذاتها عبر استراتيجيات دبلوماسية تركز على خفض التصعيد، وبناء شراكات اقتصادية متعددة الأطراف، وتجنب الانخراط في صراعات المحاور لحماية مصالحها الضيقة. بيد أن هذا الحياد ليس سوى “وهم سياسي” كما يراه البعض، فالنيران المشتعلة في الإقليم لن تستثني أحداً، ومحاولة الوقوف على الحياد في معارك كسر العظم الإقليمية هي عجز مقنّع بالدبلوماسية.
إن قراءة التاريخ بوعي تحتم علينا العودة قليلاً إلى الوراء وتأمل السنن الكونية؛ فالحقب المتلاحقة والحروب الغابرة تثبت دائماً حتمية تاريخية واحدة: أن الباطل مهما انتفش يظل زهوقاً، وأن الحق في النهاية هو المنتصر. هذه هي الفطرة والسمة الثابتة التي خُلق عليها هذا الكون، والتي تؤكد أن القوى المتغطرسة ستنكسر أمام إرادة المقاومة والمواجهة.
وفي غياب خط واضح للأمة الإسلامية والعربية الذي يجب أن يكون (قوة متماسكة واحدة) تخيف أعداءها، نجد تفشي الفرقة والفتنة وترسيخ كل أنواع التشتت، وتسيّد أمريكا لاستعمار الدول الضعيفة بالقوة تارة وبالخداع تارة أخرى، أو التلويح باستخدام القوة، أو دس السم في العسل!
نعم، تكالبت الأرض كلها ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد أن غسلت الآلة الإعلامية الصهيونية اليهودية عقول العرب والمسلمين!
فسلاماً على إيران التي غسلت عار أمة العرب، وسلاماً على من اختار درب المواجهة لا درب الخضوع، ودرب الكرامة لا درب العمالة. تحية إجلال للمواقف الثابتة والأنفس الأبية التي ترفض الذل وتختار الشهادة والصمود والشموخ!
كما تقول الشاعرة المعاصرة أميرة صليبة:
أَنَا المَاضِي بِعَزْمٍ لَا يَلِينُ … وَنَفْسِي فِي العُلَا حِصْنٌ حَصِينُ
أَعِيشُ العُمْرَ مَرْفُوعَ المَحَيَّا … وَلَا يَرْضَى الهَوَانَ لِيَ الجَبِينُ
سَمَوْتُ عَنِ الدَّنَايَا فِي شُمُوخٍ … كَمَا يَعْلُو عَلَى الأَرْضِ الشَّجِينُ
فَمَا جُودُ الحَيَاةِ بِغَيْرِ عِزٍّ … سِوَى قَيْدٍ يُذَلُّ بِهِ السَّجِينُ
نَمُوتُ وَنَبْضُنَا بِالكِبْرِ حَيٌّ … وَتَفْنَى المَكْرُمَاتُ وَلَا نَهُونُ
وهي تعبّر بأسلوب قوي وجزل عن الشموخ، وعدم الرضا بالهوان أو الدنايا، والتمسك بالكرامة حتى الرمق الأخير.
إنني أرى أن الأمة الإسلامية والعربية تحديداً قد فقدت بوصلتها وعزتها ورضيت بالهوان والذل بسبب تمسكهم بالسراب الأمريكي الإسرائيلي، رضاً كان أم خوفاً ذليلاً.. كلاهما واحد!
19/7/2026


