مسقط : العمانية
رسّخ الفنان الأردني أمين الدومي حضوره في المشهد التشكيلي من خلال تجربة طويلة جمعت بين الإبداع الفني والعمل الثقافي والإيمان بالفن كوسيلة لحفظ الهوية وصياغة الوعي الجمعي.
وقدم الدومي -على امتداد عقود- مشروعًا فنيًّا اتسم بالبحث المستمر، فلم يتوقف عند أسلوب واحد أو موضوع بعينه، بل ظل يطوّر أدواته، ويعيد اكتشاف العلاقة بين اللون والإنسان، وبين التراث والحداثة، وبين الماضي والمعاصرة، حتى أصبحت أعماله ذات بصمة خاصة.
بدأت علاقة الفنان الدومي بالرسم منذ صباه، حين وجد في الخطوط والألوان وسيلة للتعبير عن العالم من حوله، ثم طوّر موهبته بالمعرفة والدراسة والمتابعة المستمرة للحركة الفنية العربية والعالمية، مؤمناً بأن الفنان الحقيقي لا يتوقف عن التعلم.
وتحتفي أعمال الدومي بالأمكنة التي تشكّل مساحة واسعة من لوحاته، فالقرى القديمة، والأحياء الشعبية، والجبال، والبوابات الحجرية، والبيوت ذوات الأقواس، والنوافذ المطلة على الأزقة، كلها تتحول إلى عناصر تشكيلية نابضة بالحياة، لأن الفنان يعمد إلى رسم المكان كما لو أنه كائن حي يحمل ذاكرة الناس؛ فكل حجر في اللوحة يروي حكاية، وكل لون يستدعي زمناً مضى، وكأن اللوحة محاولة لمقاومة النسيان وحفظ تفاصيل الحياة اليومية التي تتغير بسرعة.
كما تبرز في أعمال الدومي أيضاً البيئة الطبيعية بكل تنوعها، حيث تتجاور المدن مع الريف، ويتداخل الماضي مع الحاضر، في مشهد بصري يعبّر عن الثراء. وإلى جانب ذلك، لا تغيب الشخصية الإنسانية عن لوحات الفنان، فهي تظهر أحيانًا بوضوح، وأحيانًا تحضر من خلال آثارها في المكان والبيئة المحيطة، إذ يحرص الفنان على تقديم الإنسان بعيداً عن المبالغة أو الزخرفة الزائدة، مركزاً على المشاعر الداخلية أكثر من التفاصيل الخارجية للشكل.
وهكذا، يشكّل كل من المرأة والطفل والعامل والمسنّ جزءاً من العالم الفني للدومي، حيث تتحول وجوههم إلى مرايا تعكس الحنين والأمل والشغف والفرح، وكذلك التعب والألم والمعاناة، في لغة بصرية تعتمد على الصدق ودفء اللون الذي يكشف عن معالجة بصرية خبيرة بالتعامل مع التوازن المطلوب في عناصر اللوحة، حيث تتجاور الكتل اللونية بانسجام وبإيقاع هادئ يقود عين المتلقي داخل اللوحة.
ويصعب تصنيف تجربة الدومي ضمن مدرسة فنية واحدة، إذ تميل بعض أعماله إلى الواقعية التي تستلهم تفاصيل الحياة، بينما تتجه أعمال أخرى نحو الاختزال والتجريد، دون أن تفقد ارتباطها بالموضوع الأساسي. وهذه المرونة الأسلوبية تعكس رؤية فنية تؤمن بأن الشكل ليس غايةً في ذاته، وإنما وسيلة للوصول إلى الفكرة والإحساس، لذلك تبدو كل مرحلة من تجربته امتداداً لما قبلها.
ويؤكد الدومي أن الفن التشكيلي قادر على بناء الذائقة الجمالية، وأن الاستثمار في الثقافة والفنون هو استثمار في الإنسان، وأن اللوحة تعكس خطاباً حضاريًّا يعبّر عن قيم المجتمع وتاريخه، ويرى أن دعم الفنانين الشباب وتوفير المساحات التي تعرض أعمالهم يمثل ضرورة لاستمرار الحركة التشكيلية، بخاصة في ظل التحولات التقنية والثقافية التي يشهدها العالم.


