حين لا تكفي المؤشرات بين القياس… وفهم المؤسسة

نشرت :

بقلم: إيمان بنت الصافي الحريبي

ثمة مفارقة تستحق التأمل في الإدارة المعاصرة.

فكلما ازدادت المؤسسات قدرةً على القياس، ازداد اعتقادها بأنها أصبحت أكثر قدرةً على فهم نفسها. لقد أتقنا قياس الزمن، والإنتاجية، وجودة المخرجات، ونسب الإنجاز، حتى أصبحت المؤشرات لغة الإدارة الحديثة، وأحد أهم الأسس التي تُبنى عليها القرارات.

لكن هل يعني اتساع قدرتنا على القياس أننا أصبحنا نفهم مؤسساتنا على نحوٍ أفضل؟

ليس بالضرورة.

فالمؤشرات تخبرنا بما حدث، لكنها لا تخبرنا دائمًا لماذا حدث. وهي ترصد النتائج، لكنها قد تعجز عن رؤية العوامل الهادئة التي صنعت تلك النتائج، أو بدأت تقوضها بصمت.

وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز حدود الأرقام:

هل تدير المؤسسات ما يصنع نجاحها، أم أنها تدير ما تستطيع قياسه؟

إن الفرق بين السؤالين ليس لغويًا، بل هو الفرق بين إدارة تتابع النتائج، وإدارة تفهم الأسباب التي أنتجت تلك النتائج.

فقد تحقق مؤسسة مستهدفاتها السنوية كاملة، بينما تكون، في الوقت نفسه، قد بدأت تخسر شيئًا لا يظهر في أي تقرير؛ فقد تراجعت الثقة بين فرق العمل، وانكمشت روح المبادرة، وضعفت جودة الحوار، وأصبح الخوف من الخطأ أقوى من الرغبة في التعلم.

لن تعكس لوحة المؤشرات هذه التحولات.

لكن المؤسسة ستكون قد بدأت تفقد جزءًا من قدرتها على الاستمرار.

هذه ليست أخطاء تبدأ بقرار واحد، ولا خسائر تظهر فجأة، بل تحولات تدريجية تتراكم بهدوء حتى تصبح جزءًا من ثقافة المؤسسة.

ولهذا يمكن وصفها بالأخطاء الصامتة.

فهي لا تعطل العمل في يوم واحد، لكنها تعيد تشكيل طريقة العمل يومًا بعد يوم، حتى يصبح ما كان استثناءً سلوكًا اعتياديًا، وما كان سلوكًا اعتياديًا ثقافةً مؤسسية.

ولهذا، فإن أخطر الأخطاء ليست دائمًا تلك التي تحدث أمامنا، بل تلك التي تنمو في المساحات التي لا نراقبها.

لقد نجحت المؤسسات في تطوير أدوات دقيقة لقياس الزمن، والتكلفة، والإنتاجية، وجودة التنفيذ، لكنها ما زالت تواجه صعوبة في قياس عناصر لا تقل أثرًا؛ مثل جودة الحوار، والثقة، وسرعة التعلم، وتداول المعرفة، والشعور بالمسؤولية المشتركة، والشجاعة المهنية في طرح الرأي والاعتراف بالخطأ.

وليس لأن هذه العناصر قليلة الأهمية، بل لأنها أكثر تعقيدًا من أن تختزل في رقم.

والمفارقة أن ما يصعب قياسه هو، في كثير من الأحيان، ما يفسر الفروق التي تعجز المؤشرات عن تفسيرها.

فالاستراتيجية لا تنفذ نفسها.

والمعرفة لا تتحول وحدها إلى ممارسة.

والهياكل التنظيمية لا تنتج التعاون تلقائيًا.

إن ما يمنح كل ذلك فاعليته هو البيئة الإنسانية التي تعمل فيها المؤسسة؛ بيئة تسمح بالاختلاف دون خوف، وتتعامل مع الخطأ بوصفه فرصة للتعلم، وتجعل الثقة موردًا مؤسسيًا، لا قيمةً أخلاقيةً فحسب.

ومن هنا تتغير زاوية النظر.

فالقضية ليست أن نضيف مؤشرات جديدة لكل ما نعجز عن قياسه؛ فبعض أهم عناصر النجاح لا يمكن اختزالها في جداول ورسوم بيانية.

القضية أن ندرك حدود القياس.

وأن نتذكر أن غياب الرقم لا يعني غياب الأثر.

بل قد يعني فقط أن الأثر أعمق من أن تلتقطه أدوات القياس التقليدية.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل مراجعة للأداء ليس:

هل تحسنت مؤشراتنا؟

بل:

هل ما زلنا نراقب العوامل التي تصنع هذه المؤشرات أصلًا؟

فقد تبدو الأرقام مستقرة، بينما تكون المؤسسة قد بدأت تفقد قدرتها على التعلم، أو على الاحتفاظ بالكفاءات، أو على جذب الأفكار، أو على بناء الثقة بين أفرادها.

وهذه خسائر لا تظهر في لحظة وقوعها…

بل تظهر حين يصبح إصلاحها أكثر كلفة.

وربما لهذا السبب، لا يكمن التحدي الأكبر أمام الإدارة المعاصرة في تطوير أدوات القياس وحدها، بل في تطوير القدرة على رؤية ما تعجز أدوات القياس عن رؤيته.

فليست كل الأخطاء قابلة للرصد المباشر.

وليست كل التكاليف محاسبية.

وبعض أكثر ما يحدد مستقبل المؤسسات يبدأ أثره قبل أن يصبح رقمًا في تقرير، أو مؤشرًا على لوحة أداء.

ولهذا، فإن المؤسسة التي تكتفي بإدارة ما تستطيع قياسه، قد تجد نفسها، مع مرور الوقت، عاجزة عن فهم ما يصنع نجاحها الحقيقي.

لأن ما لا تقوله المؤشرات اليوم…

قد يكون هو ما سيكتب قصة المؤسسة غدًا.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img