بقلم: نور بنت حسن الغسانية
رئيسة جمعية المرأة العمانية بصلالة
في حياتنا قصصٌ كثيرة لا نعرف بدايتها، ولا ندرك حكمتها إلا عندما تصل إلى نهايتها؛ فقد يظن الإنسان أن بعض الأبواب أُغلقت في وجهه، وأن الانتظار طال أكثر مما يحتمل، لكنه لا يعلم أن الله -سبحانه وتعالى- يخبئ له بابًا أجمل، ووقتًا أنسب، وخيرًا لم يكن يتوقعه.
ومن أجمل الدروس التي نتعلمها من تجارب الحياة: أن على الإنسان أن يسعى، ويطرق الأبواب، ويساعد الآخرين، لكن عليه في النهاية أن يوقن بأن الأمر كله بيد الله، وأن الرزق لا يأتي إلا في الوقت الذي كتبه جلّ وعلا.
تعرفتُ على امرأةٍ خريجة كلية، عاشت سنواتٍ طويلة تنتظر فرصة عمل؛ إذ مضى على تخرجها ما يقارب اثني عشر عامًا دون أن تحصل على وظيفة، رغم أنها كانت تحمل المؤهل والطموح، ورغم حاجتها الشديدة للعمل، لا سيما أنها كانت مسؤولة عن أسرة وأبناء.
كانت تحكي عن رحلتها الطويلة في البحث عن وظيفة، وعن الأبواب التي طرقتها، واللقاءات التي كانت تحمل معها الأمل، لكنها في كل مرة كانت تعود بخيبة أمل؛ فتسمع كلمات التشجيع والوعود بالمساعدة، ثم تفاجأ بعد ذلك بعدم القبول.
كانت تسأل نفسها: إلى أين أذهب؟ ومتى يأتي الفرج؟
تأثرتُ كثيرًا بقصتها، وحاولتُ أن أساعدها بما أستطيع؛ فالإنسان عندما يرى شخصًا يبحث عن فرصة كريمة، فإن أقل ما يقدمه له هو كلمة أمل، أو محاولة صادقة، أو باب يحاول فتحه.
وفي أحد الأيام، حضرتْ إليّ مع زوجها في وقت الظهيرة، تحمل أوراقها وملف سنوات الانتظار. أخذتُ أوراقها بين يديّ، وكنتُ أعلم أنني لا أملك إلا السعي والدعاء، فقلت لها: «إننا نحاول، لكن التوفيق بيد الله وحده».
لم تكن لديّ واسطة، ولم أكن أملك قرار التوظيف، لكنني كنتُ أملك يقينًا بأن الله إذا أراد أمرًا هيّأ له الأسباب.
وبعد فترة، جاءني اتصالٌ يُطلب فيه موظفة تحمل مؤهلًا جامعيًا، وكانت المفاجأة أن المواصفات تنطبق عليها تمامًا. تمّ ترشيحها، وقُبلت، وحصلت على وظيفة جيدة ومرموقة، ربما كانت أفضل من الوظائف التي كانت تسعى إليها طوال تلك السنوات.
كانت فرحتها كبيرة، وفرحة أسرتها أكبر؛ فقد تحولت سنوات الانتظار الطويلة إلى لحظة أملٍ جميلة.
وهنا تعلمتُ درسًا مهمًا: أن الإنسان قد يعتقد أن التأخير حرمان، بينما يكون في الحقيقة إعدادًا لشيء أفضل؛ فالله -سبحانه وتعالى- لا يمنع رزقًا عن عبده إلا لحكمة، ولا يؤخر أمرًا إلا لخيرٍ لا نراه في لحظته.
قد نطرق أبوابًا كثيرة، ونحاول بكل ما نستطيع، ونظن أحيانًا أن الطريق أصبح طويلًا، لكن علينا أن نتذكر دائمًا أن هناك بابًا لا يُغلق أبدًا.. وهو باب الله سبحانه وتعالى.
نحن في هذه الحياة مجرد أسباب؛ نسعى ونساعد ونقدم ما نستطيع، أما الرزق فهو من عند الله، والفرج يأتي بأمره وفي الوقت الذي يختاره.
لذلك، لا نفقد الأمل، ولا نحزن لتأخر بعض الأمنيات؛ فربما يكون التأخير رحمة، وربما يكون القادم أجمل مما تمنينا.
فلنكن دائمًا يدًا تمتد بالخير، وكلمةً تمنح الأمل، وقلبًا يشعر بالآخرين؛ لأن أجمل ما في الحياة أن تكون سببًا في ابتسامة إنسان، وأن ترى فرحته عندما يفتح الله له بابًا ظن أنه لن يُفتح أبدًا.
فالله هو الرزاق، وهو المدبر، وما علينا إلا أن نسعى ونحسن الظن به.


