سالم بن أحمد بن محاد العمري
كان يا ما كان، في قديم الزمان شابان في ريعان الشباب؛ الأول اسمه فرحٌ وعيناه تلمعان، والثاني اسمه الألمُ ووجهه صامتٌ واجم.
كانا يمشيان على شاطئ البحر يتجاذبان أطراف الحديث، البحرُ هادئ، والسماءُ رمادية.
قال فرحٌ: «تعالَ نسبح، فالماء اليوم يدعونا».
قال الألم: «كُن حذراً، فللبحر أسرار».
لكنهما دخلا المياه رويداً رويداً… حتى وقعا في حفرة البقبيق؛ حفرةٌ تظهر أحياناً وتختفي أحياناً، ولا يعرفها إلا من كان قلبه مُتعباً.
فتَحا أعيُنهما فجأة ليجدا أنفسهما في مكانٍ غريب: قرية زجاجية… البيوتُ فيها شفافة، والناسُ شفافون، وكلُّ شيءٍ فيها ظاهرٌ لكنه لا يُلمَس.
جلسا على قمة صخرة تشبه رأس إنسانٍ كبير، يتفرجان بصمت. تحتهما في طرف القرية، عند المنحدر الصخري، شابان يتصارعان بعنف دون أن يُصلح أحدٌ بينهما.
قال فرحٌ: «هيا نُصلح بينهما!».
قال الألم: «لحظة… يجب أن نعرف لماذا يتصارعان أولاً».
مشيا نحو شيخٍ كبيرٍ في السن، لحيته سوداء تخالطها خِصَلٌ بيضاء، وسألاه: «يا شيخ، من هذان، ولماذا يتصارعان؟».
ابتسم الشيخ وقال:
«هذان هما الليل والنهار؛ أترونهما يتصارعان؟ لا… بل هما يتبادلان، ولا يلتقيان أبداً. ونحن هنا في قرية الزجاج نتألم ونسعد بهما؛ فعندما يأتي الليل نسكن ونهدأ ونرتاح من شقاء الدنيا، وعندما يأتي النهار نشقى ونتعب من أجل لقمة العيش. فلولا الليل لمتنا من التعب، ولولا النهار لمتنا من الجوع».
سكت الشيخ ثم قال: «وأنتم؟ ما الذي جاء بكم إلى هنا؟».
أجاب الألم: «اسأل حفرة البقبيق».
فهم فرحٌ والألم المغزى، وعرفا أنهما كـ الليل والنهار؛ فالألم يأتي لكي تكون للفرح قيمة، والفرح يأتي لكي ينتهي الألم.
ولم يوقظهما إلا صوت الجدة “جمعة” وصليل عصاها وهي تنادي: «قوما يا صغيرَيْن! السيوية بردت! والبيض بالطماطم يجف! والعسل ينسكب والخبز الثخين يتناثر! قوموا قبل أن آتيكما بالطباقة!». (وأنتما تعرفانها جيداً، ضربةٌ واحدةٌ منها تكفي).
قاما يضحكان، وبينما كانا يغسلان وجهيهما، قال فرحٌ للألم: «هيا… لقد بدأ نهارنا!».
فردّ الألم: «وبالتأكيد سيأتي ليلنا لنرتاح فيه».
ومنذ ذلك اليوم عاشا… يتبادلان.


