قابوس… حين يرحل الجسد ويبقى الوطن شاهدًا على العظمة

نشرت :

بقلم د. رفيعه الحجري


23 يوليو 2026

ليس كل غيابٍ يُسمّى رحيلًا، فالعظماء لا تغيبهم الأيام، ولا تطويهم السنون، لأنهم يسكنون ذاكرة الأوطان، وتنبض بهم قلوب الشعوب، وتبقى آثارهم ماثلةً في كل إنجاز، وفي كل خطوةٍ نحو المستقبل. وهكذا كان حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – رجلًا تجاوز حدود الزمن، فصار رمزًا خالدًا، وعنوانًا للحكمة، وقامةً وطنيةً لن تتكرر إلا في صفحات المجد.

كان السلطان قابوس الأب الحنون، والقائد الحكيم، وباني نهضةٍ لم تكن مجرد مشاريع وطرقات ومبانٍ، بل كانت نهضة إنسان، ونهضة فكر، ونهضة وطنٍ انتقل من مرحلةٍ إلى مرحلة، ومن حلمٍ إلى واقعٍ يراه العالم بإعجاب واحترام. حمل عُمان في قلبه قبل أن يحملها على عاتقه، وجعلها أولويته الكبرى، فسهر من أجلها، وضحّى بعمره في سبيل رفعتها، حتى غدت في عهده واحةً للأمن، ومنارةً للسلام، ونموذجًا للدولة التي تبني بالحكمة قبل القوة، وبالعلم قبل الشعارات.

لم يكن قائدًا يبحث عن الأضواء، بل كان يصنع النور لوطنه. لم يرفع صوته يومًا، لكن العالم كله كان يُنصت إلى صوته حين يتحدث. كانت كلماته موزونةً بالحكمة، ومواقفه راسخةً بالاتزان، ورؤيته بعيدة المدى، حتى أصبحت السياسة العُمانية مدرسةً قائمةً على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل، ومدّ جسور السلام بين الشعوب.

لقد أعاد السلطان قابوس رسم ملامح عُمان الحديثة، ونفض عنها غبار الماضي، وغرس في أرضها بذور النهضة، فسقاها بإخلاصه ووفائه، حتى أينعت علمًا، وثقافةً، وتنميةً، وازدهارًا. آمن بالإنسان العُماني، فكان التعليم رسالته، والصحة أولويته، والتنمية الشاملة مشروع حياته، فارتقت عُمان في مختلف الميادين، وأصبحت قصة نجاحٍ يشهد لها القريب والبعيد.

وكان، رحمه الله، فارسًا من طرازٍ فريد؛ جمع بين شجاعة المواقف وحكمة القرار، فلم تهزه العواصف، ولم تستدرجه الفتن، بل ظل ثابتًا كالجبل، يقود سفينة الوطن بعينٍ ترى المستقبل، وقلبٍ لا يعرف إلا حب عُمان وأهلها. وإذا اشتدت الأزمات، كانت حكمته الملاذ، وإذا تعالت أصوات النزاع، كان صوته صوت السلام والعقل، حتى أصبح اسمه مقترنًا بالحكمة في المحافل الدولية، وبالوفاء في قلوب العُمانيين.

ثم جاء اليوم الذي لم يكن أحدٌ مستعدًا لاستقباله… يوم ودّعت عُمان قائد نهضتها، وأبناءها أباهم، والعالم أحد أبرز رجالاته. خيّم الصمت على الجبال والسهول، واغرورقت العيون بالدموع، وأدرك الجميع أن وطنًا بأكمله يودع رجلًا لم يكن عاديًا، بل كان تاريخًا يمشي على الأرض. كان رحيله موجعًا، لكنه لم يكن نهاية حضوره، فالأوطان التي يصنعها العظماء لا تنساهم، والقلوب التي أحبّتهم لا تودعهم أبدًا.

سيظل اسم قابوس محفورًا في ذاكرة التاريخ، وستظل إنجازاته تتحدث عنه في كل مدرسة، وكل مستشفى، وكل طريق، وكل جامعة، وكل شجرةٍ غُرست في أرض عُمان، وفي كل إنسانٍ تعلّم، أو تعالج، أو عاش حياةً كريمةً بفضل رؤية قائدٍ آمن بأن الإنسان هو أغلى ثروات الوطن.

رحل قابوس، لكن بقيت وصاياه، وبقيت قيمه، وبقي حب الوطن الذي زرعه في نفوس أبناء عُمان، وبقيت النهضة التي ستظل خير شاهدٍ على أن الرجال العظماء لا يُقاسون بطول أعمارهم، وإنما بعظمة ما يتركونه من أثر.

رحم الله السلطان قابوس بن سعيد، رحمةً واسعةً تليق بعظيم عطائه، وجزاه عن عُمان وأهلها خير الجزاء. اللهم اغفر له، وارفع درجته في عليين، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، واجعل الفردوس الأعلى من الجنة مثواه، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. اللهم اجعل ما قدّمه لوطنه وأمته في ميزان حسناته، وأدم على عُمان نعمة الأمن والاستقرار والرخاء، واحفظها قيادةً وشعبًا، واجعلها وفيةً دائمًا لإرث باني نهضتها المباركة. اللهم امين

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img