23 يوليو

نشرت :

في كل عام، يعود الثالث والعشرون من يوليو ليحمل معه معنى النهضة وروحها، ويستدعي إلى الذاكرة صورة القائد الذي غيّر وجه التاريخ في عُمان، الراحل قابوس بن سعيد، طيّب الله ثراه. غير أنّ الحديث عنه لا يكتمل إلا باستحضار ملامحه الإنسانية العميقة، تلك التي جعلت منه رمزًا فريدًا يتجاوز حدود الزمان والمكان.
أولًا: السمات الجسدية… حضورٌ يختزل الهيبة
كان –رحمه الله– يتمتع بقامةٍ طويلة ممشوقة، وهندامٍ أنيق يعكس ذوقًا رفيعًا واعتزازًا أصيلًا بالزي العُماني. حضوره كان لافتًا، لا بضجيجٍ أو استعراض، بل بهدوءٍ مهيب يفرض الاحترام. نظراته الثاقبة تحمل وعيًا عميقًا، وابتسامته الهادئة كانت كفيلة بأن تزرع الطمأنينة في القلوب، فتشعر القريب منه بأنه أمام أبٍ حانٍ قبل أن يكون سلطانًا.
ثانيًا: السمات الأخلاقية… حكمةٌ تُدار بها الأمم
تميّزت شخصيته بحكمةٍ نافذة، وبُعد نظرٍ جعله يستشرف المستقبل بوعيٍ نادر. كان عفوُّه وسعة صدره مضرب المثل، مجسّدًا نهج التسامح بقوله وفعله، فآمن بأن البناء يبدأ من القلوب قبل البنيان.
تواضعه كان سمةً أصيلة؛ يُنصت أكثر مما يتحدث، ويقدّر الإنسان أيًّا كان موقعه، فكان قريبًا من الجميع دون حواجز. جمع بين العلم والفقه والأدب، فكان عالمًا فقيهًا، وقائدًا عسكريًا محنّكًا، وصاحب رؤية ثقافية راقية، حتى غدا نموذجًا نادرًا تتكامل فيه صفات القيادة في أبهى صورها.
ثالثًا: رحلاته الداخلية… قيادةٌ تسير بين الناس
لم تكن عُمان بالنسبة له خريطة يُدار منها الوطن، بل وطنًا تُعاش تفاصيله خطوةً بخطوة. جاب المحافظات، من شمالها إلى جنوبها، ومن سواحلها إلى جبالها، في زياراتٍ تفقدية مستمرة، يلتقي بالمواطنين، ويستمع إلى احتياجاتهم، ويقف بنفسه على واقعهم. كانت تلك الرحلات مدرسةً في القيادة الميدانية، حيث لا وسيط بين الحاكم وشعبه.
ولم يكتفِ بذلك، بل عُرف –رحمه الله– برحلاته غير المعلنة، التي كان يقوم بها في هدوء، متخفيًا عن الأضواء، ليرى الواقع كما هو، بلا ترتيبٍ مسبق ولا تزيين. كان يريد الحقيقة كما هي، لا كما تُعرض عليه. في تلك الجولات، كان يقرأ تفاصيل الحياة اليومية، ويستشعر نبض الناس، فيترجم ذلك إلى قراراتٍ تصنع الفارق في حياتهم.
قائدٌ لا يُنسى
كان غيابه موجعًا، لكنه غياب الجسد لا الأثر. فقد ترك إرثًا لا يُمحى، ونهجًا لا يُنسى، وذاكرةً عامرةً بالمواقف الإنسانية التي تشهد له بأنه لم يكن قائدًا فحسب، بل أبًا، ومعلّمًا، وإنسانًا استثنائيًا بكل المقاييس.
وكلما أقبل 23 يوليو، تتردّد في القلب تلك الصورة: قائدٌ فذ، عالمٌ فقيه، عسكريٌ حازم، وإنسانٌ عظيم… مضى جسدًا، وبقي في عُمان روحًا ونهجًا خالدًا.
غير أنّ للنهضة وجوهًا إنسانية لا تُكتب في الوثائق الرسمية، بل تحفظها القلوب وترويها الذاكرة. ومن بين تلك الصفحات المضيئة، يبرز دور الشيخ الجليل المنصب عمر بن حسن العيدروس، الذي اضطلع بمهمة الإمامة في قصر الرباط العامر، فكان مثالًا للعالم الوقور، والقدوة الصالحة، والحضور الروحي الذي يفيض سكينةً ووقارًا.
وفي رحاب ذلك القصر العامر، حيث تلاقت القيادة بالإنسان، كُتبت فصولٌ من حياةٍ عامرة بالبساطة والرضا. هناك، في منزلٍ خُصّص للعائلة، بدأت ملامح الطفولة تتشكّل بين أروقة المكان، وتنسج الذكريات خيوطها الأولى. لم يكن المكان مجرد مسكن، بل كان فضاءً نابضًا بالحياة، يحمل في تفاصيله روح تلك المرحلة، وعبق البدايات.
وتبقى الصورة الأجمل، تلك التي لا تغيب عن الوجدان: أطفالٌ صغار، يقفون في صفٍ واحد، بقلوبٍ بريئة، وأعينٍ تتطلع بشوق، حين يمرّ القائد ويؤدون له التحية العسكرية، فيبادلهم السلطان قابوس بن سعيد بتحية وابتسامةٍ أبوية دافئة، تختصر معاني القرب والإنسانية، وتغرس في نفوسهم بذور الحب والانتماء.
كانت لحظاتٍ عابرة في ظاهرها، لكنها خالدة في أثرها؛ لحظاتٌ امتزجت فيها هيبة القيادة بعذوبة الطفولة، فصارت ذكرى لا تُستعاد إلا وقد اغرورقت العيون بالدموع، لا حزنًا، بل وفاءً لتلك الأيام التي حملت من الصفاء ما لا يُنسى.
إنها ليست مجرد حكاية ماضٍ، بل شهادة حيّة على زمنٍ جميل، كان فيه القائد قريبًا من شعبه، وكان للعلماء دورهم في بناء الإنسان، وكانت البيوت تنبض بالرضا، والقلوب عامرةً بالمحبة.
وفي كل مرة يُستعاد فيها 23 يوليو، تعود تلك الصور لتقف على عتبة الذاكرة، فتُحيّي فينا المعنى الأعمق للنهضة: إنسانٌ، وقيادةٌ، ووطن… اجتمعوا ليصنعوا تاريخًا لا يُنسى.

ك.أ عائشة بنت عمر بن حسن العيدروس
بنت المنصب

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img