الثروة الحيوانية في عُمان (6): نحو استراتيجية وطنية مستدامة

نشرت :

أحمد الفقيه العجيلي

لكل سلسلة نقطة تنتهي عندها الكلمات، لكنها في الحقيقة تكون بداية لسؤال أكبر.

وعندما بدأتُ كتابة هذه السلسلة، لم يكن الهدف الحديث عن الأعلاف، أو السلالات، أو الرعاية البيطرية، أو الاستثمار بوصفها ملفات منفصلة، بل محاولة فهم العلاقة التي تربط بينها جميعًا.

ومع كل جزء كان يتضح أن التحديات ليست متفرقة كما تبدو، بل هي حلقات في منظومة واحدة؛ فإذا ضعفت إحداها، تأثر بها الباقي.

ولهذا، لا يبدو السؤال الحقيقي اليوم:

هل نملك ثروة حيوانية؟

فالإجابة معروفة.

وإنما السؤال الأهم: هل نملك منظومة متكاملة تجعل هذه الثروة ركيزة حقيقية للأمن الغذائي في المستقبل؟

لقد قادتنا الأجزاء السابقة إلى نتيجة واحدة: المشكلة لا تكمن في الأعلاف وحدها، ولا في السلالات، ولا في الخدمات البيطرية، ولا حتى في الاستثمار. فلكل جانب منها تحدياته وفرصه، لكن أثرها سيظل محدودًا ما دامت تُدار بصورة منفصلة.
أما حين تلتقي هذه العناصر ضمن رؤية واحدة، فإنها تتحول إلى منظومة قادرة على النمو والاستدامة.

ومن هنا، فإن أي استراتيجية وطنية للنهوض بالثروة الحيوانية ينبغي أن تنطلق من قاعدة بيانات وطنية دقيقة تُبنى عليها السياسات والقرارات، مرورًا بتعزيز إنتاج الأعلاف محليًا، والاستثمار في السلالات العُمانية وبرامج تحسينها، وتطوير منظومة الرعاية البيطرية والوقاية، وربط البحث العلمي باحتياجات الميدان، وتمكين المربين من خلال الإرشاد والتمويل والشراكات العادلة، وصولًا إلى استثمارات ترتبط بالإنتاج المحلي وتبني سلاسل قيمة متكاملة، تبدأ من المزرعة وتنتهي إلى المستهلك.

ولعل ما شهدته السنوات الأخيرة من توسع في استثمارات الأمن الغذائي، وتطوير بعض الشركات الوطنية، وعقد شراكات مع شركات وبيوت خبرة عالمية، إلى جانب ما أثبتته التجارب البحثية من إمكانات واعدة للسلالات المحلية، يؤكد أن الفرص موجودة، وأن الطريق ليس مجهولًا.

وما ينقصه هو جمع هذه المبادرات في إطار واحد، بحيث تعمل على تحقيق هدف مشترك بدل أن تبقى جهودًا متفرقة.

كما أن التجارب الإقليمية أثبتت أن النجاح لا يتحقق عبر مشروع منفرد، بل من خلال بناء منظومات متكاملة تربط بين الإنتاج الحيواني، والأعلاف، والخدمات البيطرية، والتصنيع الغذائي، والخدمات اللوجستية. وهي رؤية يمكن لعُمان أن تستفيد منها بما يتناسب مع مواردها وخصوصية بيئتها، مع المحافظة في الوقت نفسه على خصوصية سلالاتها المحلية والاستفادة من ميزاتها التنافسية.

ولعل أهم ما تحتاجه المرحلة المقبلة هو الانتقال من معالجة المشكلات كلٌّ على حدة، إلى إدارة القطاع بوصفه منظومة واحدة، تُقاس نتائجها بقدرتها على تحقيق الاكتفاء التدريجي، ودعم المربين، وتعزيز الاقتصاد المحلي، ورفع جاهزية السلطنة لمواجهة تقلبات الأسواق وسلاسل الإمداد.

لقد حاولت هذه السلسلة أن تقترب من الواقع أكثر من اقترابها من التنظير، وأن تنظر إلى الثروة الحيوانية باعتبارها فرصة تنموية، لا مجرد قطاع تقليدي.

وإذا كان هناك من خلاصة يمكن الخروج بها، فهي أن المقومات موجودة، والخبرات متوافرة، والتجارب المشجعة حاضرة، وما ينقصها هو رؤية طويلة المدى تجمعها في مشروع وطني متكامل.

فلا تُبنى منظومات الأمن الغذائي بين ليلة وضحاها، لكنها تُبنى بخطوات متراكمة، تقودها رؤية واضحة، وتساندها الإرادة، ويشارك فيها الجميع.

وما تمتلكه عُمان من موارد، وخبرات، ومربين، وباحثين، وشركات، يجعل هذا الطموح ممكنًا، متى ما التقت هذه العناصر في مشروع وطني واحد، لا تفرقه الملفات، بل تجمعه الغاية.

وهنا تنتهي هذه السلسلة… لكن يبقى السؤال مفتوحًا:

متى تتحول هذه الأفكار إلى خطوات عملية، يصبح معها قطاع الثروة الحيوانية أحد أعمدة الأمن الغذائي والتنمية المستدامة في عُمان؟

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img