سلطان المربوعي: ريادة الأعمال في المهن الحرفية تقوم على المهارة والتطوير المستمر

نشرت :

مسقط : العمانية

يعمل سلطان المربوعي صاحب مشروع "صنيع" وفنان خراطة الأخشاب على تحويل مهنة النجارة من حرفة تقليدية متوارثة إلى مشروع ريادي يجمع بين الأصالة والابتكار، مستثمرًا شغفه بالأخشاب في تقديم منتجات تعكس الهوية العمانية وترسخ حضورها في الأسواق المنافسة.

وفي حديثنا معه، قال: إن المهن التقليدية تمنح الهوية الوطنية طابع بصري مميز لا يمكن تقليده بسهولة، ولكل حرفة بصمتها الفنية الخاصة سواء في النقش أو الألوان أو حتى الخامات المعتمدة على العمل اليدوي، ويكون جمالها نابع من بساطتها وأصالتها وارتباطها بالبيئة المحلية، لذلك فهي لا تمثل مجرد منتج جميل بل قصة تُروي إرثًا عميقًا.

وأشار إلى أن القيمة الثقافية لهذه المهن تتجاوز الجانب التجاري لأنها تمثل جزء من التاريخ غير المادي الذي حافظ عليه أجدادنا، فمثلًا بناء السفن يعكس جانبا من التاريخ البحري العُماني، وكذلك صناعة السعفيات تعبر عن الحياة اليومية والبساطة، ويرتبط الفخار بطريقة حفظ الماء، وكل هذه المهن تنقل لنا قيمة الصبر والإتقان والاعتماد على الذات، وتكون بمثابة لغة غير مكتوبة تمر عبرها ذاكرة وطنية إلى الأجيال القادمة .

وتطرق المربوعي حول إمكانية تحويل العناصر الثقافية والتراثية في أي حرفة تقليدية إلى علامة تجارية قادرة على المنافسة، موضحًا أن هناك مجموعة من العناصر المتكاملة، تبدأ أولا من إعادة تقديم التراث بصورة معاصرة؛ بحيث يُعاد توظيف العناصر التقليدية ضمن منتجات حديثة تتناسب مع ذائقة السوق اليوم، فالقيمة لم تعد في المنتج وحده، بل في الطريقة التي يُقدَّم بها وفي الرسالة التي يحملها، بالإضافة إلى بناء قصة واضحة للعلامة التجارية لأن الجمهور غالبًا يرتبط بالقصة والتجربة الإنسانية خلف المنتج، فعندما يشعر المستهلك أن هذا المنتج يعكس تجربة شخصية أو يحافظ على جزء من الذاكرة الثقافية، فإنه يصبح أكثر قابلية للتفاعل معه ودعمه.

وأضاف إلى ذلك أهمية تصميم هوية بصرية ثابتة ومميزة تشمل أسلوب التغليف وطريقة العرض، وحتى الحضور الرقمي؛ لأن الهوية البصرية تدعم حضور المنتج وسط المنافسة. مشيرا إلى أهمية انتقال الحرفي من مفهوم ممارس للمهنة إلى صانع قيمة، وأن ينظر إلى الحرفة باعتبارها مشروعًا إبداعيًا واقتصاديًا قادرًا على إنتاج تجربة متكاملة، وليس مجرد منتج تقليدي، كذلك استهداف أسواق أكثر وعيًا بقيمة المنتجات المحلية والحرفية بهدف منح المشروع فرصة للنمو والاستدامة.

وفي الحديث عن إقناع المستهلك باقتناء المنتج اليدوي المحلي، أوضح أن المستهلك اليوم لا يقارن منتج بمنتج فقط، إنما يقارن بين قيمة مقابل قيمة، لذلك لا تنافس المستورد بالسعر بل نافسه بالمعنى، وغالباً المنتج المستورد مكرر وبدون قصة ومتوفر في كل مكان، بينما المنتج الحرفي دائماً يكون فريد ونادر ومصنوع يدوي وله روح وقصة، فالحرفي يحتاج إلى بناء ثقة مع العملاء قبل البيع، وذلك من خلال عرض مراحل العمل، وتوضيح نوع الخامات وجودتها لإظهار قيمة المنتج، وربط المنتج بالهوية العمانية لأن للمستهلك هنا لا يشتري منتجا فقط بل يقتني هوية وتمثيلا ثقافيا.

وتطرق المربوعي إلى الدافع اختياره النجارة كمشروع ريادي، قائلًا: إن اختياري للنجارة نابع من شغف حقيقي بتحويل الأخشاب البسيطة إلى قيمة، والنجارة فن قبل ما تكون مهنة، وإحساس قبل أن تكون عملية تصنيع، ومساحة أقدر اعبّر فيها عن ذوقي وهويتي، أما عن تحويلها إلى مشروع ريادي جاء من اهتمامي بإعادة تعريف المنتج، مع التركيز على دمج العناصر الجمالية بالقيمة التقليدية، إلى جانب فهم أساسيات تسويق المنتج وتقديمه بصورة معاصرة.

وأضاف: ريادة الأعمال في المهن الحرفية تقوم على المهارة اليدوية وما تحمله من قيمة وإبداع، وأن التطوير المستمر للمهارات يلعب دور كبير في نجاح الحرفي سواء على مستوى الحرفة نفسها أو في الجانب التجاري، والحرفي الناجح هو من يستطيع الموازنة بين الإتقان الفني والقدرة على إدارة المشروع وبنائه بشكل منظم، ومنحه في الوقت ذاته فرصة للتوسع والانتشار.

ويرى: أن النجارة اليوم لم تعد مجرد مهنة يدوية، بل أصبحت منصّة مفتوحة للفن والإبداع، لما تمتلكه من إمكانيات تشكيل فنية باستخدام الخامات الطبيعية، وكذلك دمج الخشب مع الخامات الحديثة مثل الريزن والتطعيم بالنحاس والصدف ودمج المعدن، وهذا بدوره يوجد للشباب العُماني مساحة للابتكار تصاميم جديدة، تنعكس على جودة المنتج المحلي وتعمل على تحسين التشطيب ورفع جودة العمل .

وأوضح أن من أبرز التحديات التي تواجه الحرفي هي قلة المعرفة بالجوانب التسويقية، وهناك الكثير من أصحاب المهارات العالية في الحرف اليدوية لكنهم يواجهوا ضعفًا في المبيعات بسبب محدودية الخبرة في التسويق وإدارة المبيعات.

وأكد على أهمية احتواء الحرفي ودعمهم وتعريفهم بشكل أكبر بأساسيات العمل التجاري، بما يساعدهم على تحويل مهاراتهم إلى مشاريع خاصة مستدامة، يكون لها أثر إيجابي واقتصادي وثقافي في المجتمع، وتشجيع أفراد المجتمع على دعم المنتج المحلي والحفاظ على المهن التقليدية.

وعن إمكانيات توظيف التصميم الرقمي أو الذكاء الاصطناعي في خدمة الحرف التقليدية دون أن ينتقص من قيمتها، أوضح أن مع تطور أدوات التصميم الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي أصبح بالإمكان توظيفها في خدمة الحرف التقليدية بطريقة تعزز من جودة العمل وتوسع آفاق الابتكار،لكن الفكرة الأساسية تكمن في أن تكون التقنية أداة مساعدة للحرفي وليست بديلًا عنه. فمن خلال التصميم الرقمي يمكن للحرفي تصور الفكرة بصورة أكثر دقة قبل تنفيذها، واختبار أشكال وتفاصيل متعددة، مما يوفر الوقت والجهد ويمنحه مساحة أكبر للتجريب والإبداع. ومع ذلك، تبقى اللمسة اليدوية والخبرة المتراكمة للحرفي هي العنصر الذي يمنح القطعة قيمتها الحقيقية، فالحرفي هو من يقود العملية الإبداعية، بينما تأتي التقنية لتدعمه وتثري تجربته.

ويرى المربوعي أن القطعة الحرفية تحمل الكثير من الدلالات الثقافية والإنسانية، فهي ليست مجرد زخارف أو رموز تراثية، بل هي ذاكرة تختزن قصص المكان والإنسان، وتعكس أسلوب الحياة والقيم التي تشكلت عبر الأجيال. وكل تفصيل فيها، سواء في المادة أو الشكل أو طريقة الصناعة، يروي جانبًا من الهوية العمانية ويجسد علاقة الإنسان ببيئته وتاريخه.

وفيما يتعلق بكيفية ابتكار الحرفي دون أن يفقد ارتباطه بجذور الحرفة، أوضح أن الابتكار الحقيقي لا يعني القطيعة مع الماضي، وإنما إعادة تقديمه بلغة معاصرة. فالحرفي يستطيع أن يطور في التصميم والاستخدامات، ويبتكر منتجات تلائم احتياجات اليوم، لكنه في الوقت نفسه يحافظ على جوهر الحرفة وفلسفتها وأساليبها الأصيلة، وعندما ينطلق التطوير من فهم عميق للجذور، يصبح الابتكار امتدادًا طبيعيًا للحرفة وليس خروجًا عنها.

وأشار إلى أن الهوية العمانية في الحرفة لا تقتصر على النقوش والزخارف التراثية فحسب، بل تمتد إلى جوهر الحرفة نفسها، وإلى الخامات المحلية التي ارتبطت بتاريخ هذا الوطن، فاستخدام الأخشاب والأحجار والمواد العمانية الأصيلة يجسد العلاقة الوثيقة بين الإنسان العُماني وموارده الطبيعية، ويمنح المنتج بعدًا ثقافيًا لا يمكن استنساخه، وكذلك قد تتطور النقوش وتتغير أساليب التصميم مع الزمن، لكن روح الخامات الأصيلة تظل محفوظة في عمق المنتج الحرفي، لتبقى شاهدة على هويته وانتمائه.

ووجّه في ختام حديثه الشباب إلى استثمار مهاراتهم اليدوية وتحويلها إلى مشاريع ريادية قادرة على النمو والاستمرار، مؤكدًا أن الشغف والتطوير المستمر والثقة بالنفس تمثل عناصر أساسية في صناعة مشروع ناجح يحمل قيمة اقتصادية وهوية خاصة.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img