من ورشة صلالة إلى فوضى “اللايفاتية”… هل ينقذ البودكاست وعينا الجمعي؟

نشرت :

كتب دكتور : إسماعيل جابر

أستاذ التاريخ ( أكاديمي) / مستشار التعليم والتدريب

هل ما زالت شاشات هواتفنا نوافذ للمعرفة، أم أصبحت ساحات تُصاغ فيها القناعات ويُعاد تشكيل الرأي العام؟


هذا السؤال فرض نفسه عليّ وأنا أقرأ خبر ورشة البودكاست (الذي نشرته صحيفة اليوم العُمانية أمس)، التي تنظمها وزارة الإعلام في صلالة، سلطنة عُمان. محافظة ظفار، فقد تبدو الورشة ، من خلال محاورها ، برنامجًا تدريبيًا لتطوير مهارات إعلامية ، لكنها في تقديري تعكس إدراكًا متزايدًا بأن معركة هذا العصر لم تعد تدور حول امتلاك أدوات النشر، بل حول امتلاك القدرة على إنتاج محتوى مسؤول يحمي الوعي ويمنح الكلمة قيمتها المفقودة
قد يتفق معي المتابع أن المنصات الرقمية أعادت تشكيل مفهوم صناعة المحتوى. فأعطت الجميع فرصة التعبير، لكن في الوقت نفسه أوجدت بيئة أصبح فيها الانتشار السريع هدفًا لدى البعض، حتى اذا كان بإثارة الجدل أو استثمار الانفعال أو تضخيم الخلافات..
ومع مرور الوقت، برزت ظاهرة ما يعرف بـ”اللايفاتية”، او صناع المحتوى حيث تحول البث المباشر عند بعضهم من وسيلة للتواصل إلى وسيلة لصناعة الضجيج، واستقطاب الجمهور، وتحقيق الانتشار، والنجومية وتصفية الحسابات ولو كان ذلك على حساب الحقيقة أو تماسك المجتمع خاصة في المجتمعات التي تعاني من انقسامات وصراعات في كثير من الدول .
ومن يقرأ حركة التحولات الإعلامية والاجتماعية يدرك أن مثل هذه الظواهر لا تولد من فراغ، بل عندما تجتمع عدة عوامل في وقت واحد : فحين يتراجع حضور أصحاب الفكر والخبرة في الفضاء الرقمي، تتقدم الأصوات التي تجيد صناعة الإثارة أكثر من صناعة المعرفة.
وحين يضعف الوعي الرقمي؛ أي القدرة على التمييز بين المحتوى الذي يبني المعرفة والمحتوى الذي يقوم على الإثارة، يصبح المتلقي أكثر قابلية للانجرار وراء الخطابات التي تخاطب العاطفة قبل العقل.
ويزداد الأمر تعقيدًا عندما تعمل الخوارزميات على مكافأة المحتوى الأكثر إثارة، لأنه يحقق معدلات أعلى من التفاعل، دون أن يهمها إن كان هذا التفاعل يبني وعيًا أو يعمق انقسامًا وصراعاُ .
و في اعتقادي أنه لا يكفي أن ننتقد هذه الظاهرة أو نحذر منها فقط ، لأن الفراغ لا يبقى فراغًا. فإذا غاب المحتوى المهني، تمدد المحتوى السطحي، وإذا انسحب أصحاب المعرفة، وجد غيرهم طريقًا إلى التأثير.
ولذلك فإن المبادرات التي تستثمر في تدريب الشباب على إنتاج محتوى احترافي ليست ترفًا إعلاميًا، بل هي استثمار في بناء بدائل قادرة على المنافسة، لأن مواجهة المحتوى الغير مفيد لا يكون بالشكوى منه، بل بإنتاج محتوى أفضل منه .
غير أن نجاح هذه الجهود لا يعتمد على المؤسسات الإعلامية وحدها. فبناء الوعي مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والمؤسسات الثقافية، كما أن حضور الأكاديميين والمثقفين والخبراء في المنصات الرقمية لم يعد خيارًا شخصيًا، بل أصبح مسؤولية مجتمعية.
فالساحة التي يتركها أصحاب الفكر لا تبقى خالية طويلًا، وإنما تملؤها أصوات أخرى، قد تجيد جذب الانتباه، لكنها لا تسهم بالضرورة في بناء الإنسان .
ولعل القيمة الحقيقية لمبادرات مثل ورشة البودكاست لا تكمن في عدد البرامج التي ستنتجها، وإنما في الرسالة التي تحملها؛ رسالة تؤكد أن صناعة المحتوى ليس سباقًا على المشاهدات، بل مسؤولية في تشكيل الوعي، وأن الكلمة ليست وسيلة للانتشار فحسب، بل أمانة في زمن أصبحت فيه المعلومة قادرة على أن تبني مجتمعًا أو تربك وعيه .
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده: في زمن تتسابق فيه الخوارزميات على جذب انتباه الإنسان، هل نملك اليوم من الوعي ما يجعلنا نختار ما نتابع، أم أننا تركنا للخوارزميات والعواطف أن تختار عنا؟

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img