راي اليوم
صحيفة اليوم العمانية
خريف ظفار جميل في كل أحواله.. والتنوع سنة الطبيعة لا سبب للاستياء
في أقصى الجنوب العُماني، حيث تلتقي الجبال بالبحر، يتحول المشهد كل صيف إلى لوحة خضراء ساحرة يسميها أهل ظفار «الخريف». رذاذ خفيف، ضباب يتسلل بين القمم، ودرجات حرارة معتدلة تجعل من صلالة ومحيطها ملاذًا طبيعيًا نادرًا في شبه الجزيرة العربية. هذا الموسم، الذي يمتد فلكيًا من أواخر يونيو حتى 21 سبتمبر تقريبًا، ليس مجرد ظاهرة مناخية، بل تجربة حسية كاملة تجمع بين رائحة اللبان وأصوات الشلالات الموسمية وامتداد المروج الخضراء.
ومع ذلك، لا يأتي الخريف كل عام بالشدة نفسها. هناك مواسم قوية تمتلئ فيها الجبال بالضباب الكثيف والرذاذ المتواصل، فتجري العيون وتتفجر الشلالات، ومواسم أخرى أكثر تذبذبًا يتراجع فيها الغطاء السحابي أو يتأخر نشاط الرياح. هذه التفاوتات ليست عيبًا، بل جزء أصيل من طبيعة الظاهرة.
يرجع التباين إلى تفاعل معقد بين عوامل مناخية متعددة: موقع وشدة مرتفع «الماسكرينا» في المحيط الهندي، قوة المنخفضات الحرارية فوق شبه القارة الهندية وظاهرة صعود المياه الباردة قبالة سواحل ظفار، والطوبوغرافيا الجبلية التي ترفع الهواء الرطب وتكثفه. أي تغير بسيط في موقع أحد هذه العناصر أو قوته يمكن أن يجعل الموسم أقوى أو أضعف، مبكرًا أو متأخرًا. هذا ما تؤكده الدراسات والأرصاد المحلية على مدار عقود: الخريف ظاهرة ديناميكية وليست قالبًا ثابتًا.
لهذا السبب، لا ينبغي للزائر أن يستاء إذا وجد الموسم أقل غزارة مما توقعه، أو إذا تأخرت الأمطار عن ذروة الصيف. الجمال هنا لا يقتصر على شلال غزير أو ضباب لا ينقشع؛ فهو موجود في الهدوء الذي يفرضه الرذاذ الخفيف، وفي الخضرة التي تظهر حتى في المواسم المعتدلة، وفي الأجواء المنعشة التي تبقى أفضل بكثير من حرارة باقي مناطق الخليج. الطبيعة لا تقدم عروضًا متطابقة كل عام، وهذا ما يمنح كل زيارة طابعها الخاص.
الأمر نفسه ينطبق على وجهات سياحية كثيرة حول العالم، بما فيها الأوروبية. ففي جبال الألب تتفاوت مواسم الثلج من عام إلى آخر، وقد يجد السائح منتجعات أقل تساقطًا مما تمنّى. وفي سواحل البحر المتوسط أو الشمال الأوروبي تأتي الصيف أحيانًا ماطرة أو باردة خلاف التوقعات. السياحة الطبيعية، في أي مكان، تقوم على التكيف مع تقلبات المناخ لا على ضمانات مطلقة. من يذهب إلى ظفار وهو يدرك هذه الحقيقة يستمتع أكثر، ويقدر الندرة الحقيقية لهذه الظاهرة في المنطقة.
خريف ظفار، في قوته أو في تذبذبه، يظل معجزة مناخية محلية. هو دعوة للاستمتاع بما هو موجود، لا بما كان يمكن أن يكون. فالأرض التي تكتسي بالأخضر بفضل الرياح الموسمية، حتى لو كانت أقل كثافة هذا العام، تظل أجمل مما يتخيله من لم يزرها. والزائر الواعي هو من يخرج راضيًا، لأنه فهم أن الطبيعة تكتب قصتها بطريقتها الخاصة كل موسم.
حفظ الله عمان وشعبها وسلطانها والأمة العربية والإسلامية والانسانية كافة …


