من ملفات العميد حمد الشميسي

نشرت :

جريمة في بوردو

بقلم . فايل المطاعني الحكواتي.

الفصل العاشر

من عُمان
أخذت سارة روزيللي هاتفها واتصلت بـرينو، لعلها تسمع منه أخبارًا جديدة عن مقتل والدها، فهي لا تعلم إلى أين وصلت التحقيقات.
سارة: مساء الخير يا رينو.
رينو: مساء الخير، عزيزتي سارة.
سارة: هل هناك أخبار جديدة عن…؟
ولم تستطع إكمال عبارتها، إذ أجهشت بالبكاء. وبعد أن تماسكت قليلًا قالت:
سارة: رينو… أريدكم أن تقبضوا على المجرمين بسرعة. لا أريد المزيد من التأخير. أريد لروح سام أن ترتاح بعد أن ينال المجرمون جزاءهم.
كان رينو يستمع إليها بصمت، لكنها تابعت بحزم:
سارة: رينو، إن عجزتم عن العثور على المجرمين فسأستأجر محققين خاصين، ولو كلفني ذلك كل أموالي.
فقاطعها رينو قائلًا:
رينو: عزيزتي، لستِ بحاجة إلى إنفاق أموالك. سنجدهم، لكننا بحاجة إلى مزيد من الوقت. ومن حسن الحظ أن لدينا ضيفًا بارعًا في مثل هذه القضايا.
ازدادت حماسة سارة وقالت:
سارة: هل هو من بوردو؟ وهل يوجد من هو أبرع منك في مدينتنا أيها الكولونيل؟
ابتسم رينو وقال:
رينو: إنه كولونيل من الشرق… وصديق قديم لي.
سارة: من الشرق؟ هل هو لبناني أم سوري؟
رينو: لا… إنه من سلطنة عُمان.
سارة: عُمان؟!
رينو: لا تقلقي، سأطلب منه الانضمام إلى فريق التحقيق، وأنا واثق بأنه سيرحب بذلك. فهو لا يستطيع الابتعاد عن أجواء الجريمة، حتى ولو كان في زيارة عائلية.
★★★★★★★
الكاردينال مازرين
هنري: عزيزتي… مع من كنتِ تتحدثين؟
التفتت سارة إلى مصدر الصوت، فإذا به زوجها مسيو هنري مازرين، أو كما يحب أن يُنادى: الكاردينال هنري مازرين، المنتمي إلى عائلة مازرين الشهيرة.
سارة: أهلًا عزيزي هنري. كان الكولونيل رينو يطلعني على آخر المستجدات.
ثم قالت بحزم:
سارة: سأنتقم لوالدي مهما بلغ الثمن.
هنري: حسنًا، أتمنى أن تكون لديه معلومات جيدة. فالعم سام كان يستحق نهاية أكثر كرامة، لا أن يُعثر عليه داخل صندوق ملقى في البحر.
وما إن سمعت سارة تلك الكلمات حتى انهارت في بكاء شديد، بعدما عاد إليها مشهد والدها وهو مقتول داخل الصندوق.
لكن هنري زاد جراحها عمقًا حين قال:
هنري: ما كان عليه أن يسلك طريق المافيا. أين كان عقله؟ يبدو أن الحظ قد تخلى عنه أخيرًا.
ثم تنهد وأضاف:
هنري: هيا يا عزيزتي، يجب أن أذهب. لدينا أعمال كثيرة، وشركاتنا بحاجة إلى كلينا… أو على الأقل إلى أحدنا.
وقبل أن يغادر، التفت إليها وقال:
هنري: لا تبكي يا عزيزتي… فالسماء ستقتص له.
ثم خرج، وقد ارتسمت على وجهه علامات ارتياح خفي، وهمس لنفسه:
“إن السماء لا تحب الأشرار… ولا تحب أباك أيضًا.”


من ملفات العميد حمد الشميسي
جريمة في بوردو
بقلم: فايل المطاعني الحكواتي
الفصل الحادي عشر
Le Murano (ميرانو)
جلس الكولونيل رينو والعميد حمد الشميسي على طاولةٍ منفصلة، تبعد قليلًا عن بقية أفراد العائلة؛ فقد كان رينو يدرك التقاليد العربية جيدًا، وأراد أن يمنح السيدات مساحةً للحديث بحرية بعيدًا عن أحاديث الرجال.
وكانت مدام بافلو من بين المدعوين إلى مأدبة العشاء في مطعم ميرانو، وجلست تشرح للضيفات أبرز الأماكن التي ينبغي لهن زيارتها في مدينة بوردو، بينما كانت ليلي تتحدث مع منى عن جريمة مقتل رجل الأعمال سام روزيللي، وعن ملابسات الحادث والخوف من أن تتحول القضية إلى رأي عام، الأمر الذي سيضاعف الضغط على شرطة بوردو المثقلة أصلًا بالعديد من القضايا. لكن هذه المرة لم تكن القضية عادية، فـ سام روزيللي لم يكن رجلًا عاديًا.
قالت ليلي لصديقتها:
ليلي: أريد أن أخبرك بسر… وأحتاج إلى مساعدتك.
نظرت إليها منى باهتمام وقالت مبتسمة:
منى: تفضلي… سرك في بئر.
ترددت ليلي قليلًا، ثم قالت:
ليلي: تعالي نأخذ طبقًا من البوفيه، وهناك سأخبرك بعيدًا عن الجميع.
منى: حسنًا.
وفي الجهة الأخرى من المطعم، كان الحديث بين العميد حمد والكولونيل رينو أكثر جدية.
العميد حمد: ماذا تريد مني؟ أن أشارك معك في التحقيق؟ أنا لست مخولًا بذلك، ولست محققًا خاصًا، بل رجل أمن، ولا أظن أن السيدة سارة ستقبل بهذا.
اقترب رينو منه وهمس بصوت خافت:
رينو: هي من طلبت ذلك بنفسها. لا تقلق، الأمر في غاية البساطة. ستكون برفقتي، ولن يسأل أحد عن سبب وجودك ما دمت معي.
ثم تنهد وأضاف:
رينو: لا أخفيك سرًا… أريد أن ننتهي من هذه القضية سريعًا قبل أن يتمكن أعضاء البرلمان من تحويلها إلى قضية رأي عام. عندها ستتعقد الأمور، وستتدخل الشرطة المركزية في باريس، المختصة بجرائم عصابات المافيا، وهذا آخر ما أريده. لا أريد أن يأتي أحد لينتزع منا هذا الملف… وإلا فما فائدة وجودنا هنا؟ الأفضل حينها أن نعود إلى بيوتنا.
ثم ابتسم وهو ينظر إلى العميد حمد وقال:
رينو: ما رأيك يا كولونيل حمد؟ لقد زكيتك أمام السيدة سارة، وهي تنتظر منك العون والمساعدة… فما قولك؟
ساد الصمت للحظات، ثم قال العميد حمد بهدوئه المعتاد:
العميد حمد: إذا كانت صاحبة الشأن قد وافقت، وإذا كان وجودي سيساعد في كشف الحقيقة، فسأكون معك. لكنني هنا ضيف، ولن أتجاوز حدودي أو صلاحياتي. سأساعدكم بقدر ما أستطيع.
ارتسمت على وجه رينو ابتسامة ارتياح، فقد أدرك أن شريكًا استثنائيًا قد انضم إلى التحقيق.
★★★★★★★★★
مصطفى
كانت ليلي ومنى تقفان أمام البوفيه، بعيدًا عن أنظار الآخرين.
منى: ماذا تقولين يا ليلي؟ كيف يطلب منك زوجك العودة إلى المغرب، وأنت فرنسية، ومستقبلك هنا؟ بل إنني أرى أن مستقبلًا كبيرًا ينتظرك في شرطة بوردو. ماذا دهاه؟
بدأ الحزن يتسلل إلى ملامح ليلي، وقالت بصوت خافت:
ليلي: لا أعلم ما الذي جرى له. أصبح يغار من الكولونيل رينو، ويقول إنني أقضي وقتًا معه أكثر مما أقضيه مع زوجي، مع أنه يعلم أن رينو هو الساعد الأيمن لمسيو هنري، زوج سارة روزيللي. صحيح أنه لم يحصل على الجنسية الفرنسية، لكنه معروف في بوردو بعمله وإخلاصه، ولا أدري ما الذي تبدل فجأة. يريد العودة إلى المغرب دون أي مقدمات… وأنا حياتي هنا، وابنتي اعتادت العيش هنا. ماذا سنفعل هناك؟
ثم أمسكت بيد منى وقالت برجاء:
ليلي: ساعديني يا منى… ما الحل؟
ولم تتمالك نفسها، فضربت الطاولة بخفة وهمست بغضب:
ليلي: تبًّا… تبًّا… هل كان يجب أن يموت مسيو سام روزيللي في هذا الوقت؟
رفعت منى حاجبيها بدهشة وقالت:
منى: وما علاقة وفاة مسيو سام بقرار زوجك؟
تنهدت ليلي طويلًا، ثم نظرت حولها لتتأكد أن أحدًا لا يستمع إليهما.
ليلي: لا أدري… لكن منذ مقتل مسيو سام تغيّر زوجي كثيرًا. أصبح شارد الذهن، سريع الانفعال، ويستيقظ ليلًا على صوت أي حركة في المنزل. في البداية ظننت أنه حزين على وفاة رب عمله…
توقفت فجأة، وكأنها ندمت على ما كادت تقوله.
منى: لكن ماذا يا ليلي؟
ابتلعت ريقها، ثم قالت بصوت خافت:
ليلي: لا شيء… ربما كانت صدمة الجريمة، والطريقة البشعة التي قُتل بها مسيو سام… وربما أنا من يبالغ في الظنون.
وفي تلك اللحظة، لمحتهما مدام بافلو من بعيد، فأشارت إليهما بالعودة إلى الطاولة، بينما كان العميد حمد الشميسي ينظر إلى الكولونيل رينو في صمت، قبل أن يقول بهدوء:
العميد حمد: موافق… سأساعدك في هذه القضية، ولكن بصفتي مستشارًا لا أكثر. وأعدك بشيء واحد… سأبحث عن الحقيقة، مهما كانت.
ابتسم رينو ابتسامة خفيفة، وهو يشعر أن التحقيق قد دخل مرحلة جديدة، دون أن يدرك أن الكلمات التي نطقت بها ليلي قبل لحظات ستكون أول خيط يقودهما إلى سرٍّ أكبر بكثير من جريمة قتل.
يتبع…

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img