بقلم: إيمان بنت الصافي الحريبي
قد تنضب الموارد الطبيعية، وقد تتراجع قيمة الأصول، لكن هناك ثروة يزداد رصيدها كلما تراكمت التجربة، وهي الخبرة الإنسانية.
تقاس قوة الاقتصادات عادة بما تمتلكه من موارد طبيعية، وما راكمته من رؤوس أموال، وما حققته من تقدم تقني. ثم اتسع هذا المفهوم ليشمل المعرفة والابتكار بوصفهما محركين للنمو والإنتاجية. غير أن هناك أصلًا اقتصاديًا لا يزال يحظى باهتمام أقل مما يستحق، رغم أن تكوينه استغرق سنوات من التعليم، والتدريب، والممارسة، والتعلم من النجاح والإخفاق، وهو الخبرة.
فالخبرة ليست مجرد حصيلة سنوات عمل، بل هي رأس مال معرفي تشكل عبر استثمار شاركت فيه الدولة، والمؤسسات، والفرد. وكل موظف يبلغ ذروة نضجه المهني يمثل أصلًا اقتصاديًا راكم معرفة يصعب تعويضها في وقت قصير أو إعادة بنائها بتكلفة منخفضة. ولا تكمن قيمة هذه الخبرة في عدد سنواتها، بل في قدرتها على تحسين جودة القرار، وتقليل كلفة الخطأ، وتسريع التعلم المؤسسي، وصناعة قيمة اقتصادية تمتد آثارها إلى ما بعد حدود الوظيفة.
ومن هذا المنطلق، يقترح هذا المقال إطارًا فكريًا لإعادة النظر في الخبرة بوصفها أصلًا اقتصاديًا وطنيًا، وهو ما يمكن تسميته بـ «اقتصاد الخبرة»؛ أي منظور يرى أن الخبرة ليست موردًا بشريًا ينتهي أثره بانتهاء العلاقة الوظيفية، بل أصلًا اقتصاديًا يستمر في إنتاج القيمة متى ما أُحسن استثماره.
وربما لم يعد السؤال الاقتصادي الأهم: كم عدد من أحيلوا إلى التقاعد؟ بل: كم قيمة اقتصادية فقدها الاقتصاد بخروج تلك الخبرات من دورة الإنتاج؟
وهنا يبرز مفهوم العمر الاقتصادي للخبرة، ويقصد به المدة التي تظل فيها الخبرة قادرة على إنتاج قيمة للمؤسسة أو للاقتصاد، حتى بعد انتهاء العمر الوظيفي لصاحبها. فبينما تحدد الأنظمة الإدارية نهاية الخدمة، لا يوجد ما يفرض أن ينتهي الأثر الاقتصادي للخبرة في اللحظة نفسها. فقد تنتهي الوظيفة بقرار إداري، بينما تظل الخبرة قادرة على الإسهام في بناء القيادات، وتحسين جودة القرار، ونقل المعرفة، والإرشاد، والاستشارات، ودعم الابتكار، لسنوات طويلة.
إن الفرق بين العمر الوظيفي والعمر الاقتصادي للخبرة يشبه الفرق بين انتهاء إنشاء أصل اقتصادي، واستمرار ذلك الأصل في تحقيق العائد. فكما تواصل الأصول الناجحة إنتاج القيمة بعد استرداد تكلفتها، يمكن للخبرة أن تواصل إنتاج القيمة متى وجدت البيئة التي تستثمرها.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إدارة نهاية المسيرة الوظيفية، بل في إطالة العمر الاقتصادي للخبرة، بحيث تبقى داخل دورة إنتاج القيمة، ولا تغادرها بمجرد انتهاء الخدمة. فليست المشكلة أن يغادر الموظف موقعه، بل أن تغادر معه المعرفة التي احتاجت سنوات طويلة لتتكون.
وهنا لا يخسر الفرد وحده، بل يخسر الاقتصاد جزءًا من رصيده المعرفي، ويضطر إلى إعادة بناء خبرات سبق أن استثمر فيها الوقت، والمال، والجهد. وهذا ما يجعل الخبرة ليست شأنًا إداريًا يخص الموارد البشرية فحسب، بل قضية اقتصادية تتعلق بكفاءة الاستثمار في الإنسان، واستدامة رأس المال المعرفي، وقدرة المؤسسات على الحفاظ على ذاكرتها المؤسسية.
وهنا يبدأ المعنى الحقيقي لـ اقتصاد الخبرة؛ اقتصاد لا يقيس قيمة الإنسان بتاريخ انتهاء خدمته، بل بما تستطيع خبرته أن تضيفه من قيمة بعد انتهاء تلك الخدمة.
إذا كانت الخبرة أصلًا اقتصاديًا، فإن السؤال التالي يصبح أكثر أهمية: كيف يمكن إدارة هذا الأصل؟
لقد نجحت الدول في بناء مؤسسات لإدارة ثرواتها المالية؛ فأنشأت البنوك المركزية، والصناديق السيادية، وهيئات الاستثمار. لكن الثروة المعرفية لا تزال تُدار في كثير من الأحيان بمنطق إداري أكثر من كونها أصلًا اقتصاديًا. فعندما تغادر الخبرات الوطنية مواقعها دون أن تُوثق معارفها أو يُعاد توظيفها، فإن الاقتصاد لا يفقد أفرادًا فحسب، بل يفقد جزءًا من رأسماله المعرفي الذي تراكم عبر سنوات طويلة من الاستثمار.
وعندما تصبح المعرفة المتراكمة أحد عوامل القوة الاقتصادية، فإن الحفاظ عليها لم يعد شأنًا إداريًا فحسب، بل قضية تنموية واستراتيجية. ومن هنا يبرز مفهوم السيادة المعرفية، ويقصد به قدرة الدولة على الحفاظ على رأس مالها المعرفي، وتوثيقه، وإعادة توظيفه، وضمان انتقاله بين الأجيال. فكما أصبحت السيادة الغذائية، والسيادة الرقمية، والسيادة الاقتصادية من مرتكزات التنافسية، فإن حماية المعرفة الوطنية واستثمارها أصبحت بدورها ركيزة لا تقل أهمية في اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على الأصول غير الملموسة.
إن أكبر خطأ ترتكبه المؤسسات هو أن تجعل المعرفة مرتبطة بالأشخاص، لا بالمؤسسة. فالموظف قد يغادر، لكن المعرفة التي أسهم في بنائها يجب أن تبقى، وتنتقل، وتتطور. وهنا يتحول رأس المال المعرفي من رصيد فردي إلى أصل مؤسسي متجدد.
ومن هنا، فإن التحدي لم يعد في إدارة الموارد البشرية وحدها، بل في إدارة دورة حياة الخبرة، وهي منهج يبدأ باستقطاب الكفاءات، ثم تنمية قدراتها، وتوثيق معارفها، ونقل خبراتها، وإعادة توظيفها بعد انتهاء العمر الوظيفي، بحيث تبقى الخبرة داخل دورة إنتاج القيمة، ولا تنقطع بانتهاء الخدمة.
وهنا تتكامل المفاهيم التي يقوم عليها هذا الطرح. فـاقتصاد الخبرة هو الإطار الفكري الذي ينظر إلى الخبرة بوصفها أصلًا اقتصاديًا وطنيًا، بينما يمثل العمر الاقتصادي للخبرة المبدأ الذي يؤكد أن قيمة الخبرة لا تنتهي بانتهاء العمر الوظيفي. أما السيادة المعرفية فهي الغاية التي تسعى إلى حماية رأس المال المعرفي الوطني وضمان استدامته، في حين تمثل إدارة دورة حياة الخبرة الآلية التي تترجم هذه الرؤية إلى سياسات وممارسات مؤسسية. وبهذا، لا تبدو هذه المفاهيم متفرقة، بل تشكل منظومة متكاملة تبدأ بإعادة تعريف الخبرة، وتنتهي بتحويلها إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع، يمكن التفكير في إنشاء منصة وطنية للخبرات، لا بوصفها قاعدة بيانات للأسماء، بل منظومة تربط الخبرات الوطنية باحتياجات المؤسسات، والمشروعات الاستراتيجية، والجامعات، والشركات الناشئة، ورواد الأعمال، بما يضمن استمرار تدفق المعرفة إلى حيث تكون الحاجة إليها.
كما يمكن تطوير مؤشر للهدر المعرفي، وهو أداة تقيس حجم المعرفة والخبرات التي تغادر المؤسسات دون نقل أو توثيق، بما يساعد على كشف الفجوات قبل أن تتحول إلى خسائر يصعب تعويضها. وإلى جانب ذلك، يمكن العمل على بناء حسابات قومية للخبرة؛ أي إطار وطني يساعد على تقدير القيمة الاقتصادية لرأس المال المعرفي، وقياس أثره في الإنتاجية والتنمية، بما يدعم رسم السياسات العامة ويجعل الخبرة أصلًا اقتصاديًا يُقاس ويُدار، لا أثرًا وظيفيًا ينتهي بالتقاعد.
إن تبني مثل هذه الأدوات لا يعني إضافة أعباء إدارية جديدة، بل يعني الانتقال إلى مرحلة تُدار فيها المعرفة بوصفها أصلًا اقتصاديًا، تمامًا كما تُدار الأصول المالية والمادية. فالدول التي تنجح في الحفاظ على خبراتها لن تقلل فقط من كلفة إعادة التعلم، بل ستسرّع الابتكار، وتعزز جودة القرار، وترفع كفاءة مؤسساتها على المدى الطويل.


