راي اليوم
صحيفة اليوم العمانية
الثقة لا تُبنى بالتصريحات ولا بالوساطات الشكلية تُبنى عندما تتوقف إيران عن تحويل جيرانها إلى ساحة لردعها غير المتكافئ وفي ظل الأزمة الراهنة، الطريق الوحيد الواقعي يبدأ بخطوات ملموسة وقابلة للقياس مع وقف الاستهداف المباشر أو عبر الوكلاء للمنشآت الخليجية والسفن في هرمز. كما ان القبول بآلية إقليمية مشتركة لإدارة المضيق (على غرار مقترحات عمان المدعومة خليجياً) لا تمنح أي طرف سيطرة منفردة أو حق فيتو كما يجب فصل ملف الوكلاء (في العراق واليمن ولبنان) عن أي تفاهمات أمنية مع الخليج وخلق التزام واضح بحسن الجوار لا يُستخدم كورقة تفاوض كلما اشتد الضغط الخارجي. بدون هذه الخطوات، ستظل أي مبادرة إيرانية تُقرأ في الخليج على أنها تكتيك مؤقت لا تحول استراتيجي و الثقة تحتاج إلى سابقة عملية، لا إلى وعود في ظل استمرار الضربات أو التهديدات.
لماذا أعطت أمريكا «قبلة الحياة» لإيران رغم ضعفها؟
مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو 2026 منحت إيران مكاسب فورية ملموسة: تخفيف عقوبات نفطية، فتح باب تصدير النفط، حزم اقتصادية كبيرة محتملة، ووقف العمليات العسكرية المباشرة، مقابل إعادة فتح هرمز وبدء مفاوضات نووية مؤجلة. كثير من التحليلات الغربية وصفت الاتفاق بأنه غير متكافئ، حيث حصلت طهران على تنازلات آنية بينما بقيت القضايا النووية والإقليمية مفتوحة.
طبعا الأسباب الحقيقية ليست «حباً» في إيران، بل حسابات أمريكية تجنب حرب طويلة مكلفة اقتصادياً وسياسياً قبل استحقاقات داخلية و إعادة فتح المضيق لتهدئة أسواق الطاقة العالمية و الإبقاء على إيران ضعيفة عسكرياً نسبياً لكنها غير منهارة تماماً، حتى لا يتحول الفراغ إلى فوضى أكبر أو نفوذ صيني-روسي أعمق.
هل هذا «خلط للأوراق» لمصالح استعمارية؟ جزئياً نعم. القوى الكبرى تاريخياً تفضل إدارة الصراعات الإقليمية على حلها نهائياً إذا كان الحل الكامل يضر بمصالحها أو يخلق فراغاً. الإبقاء على توتر محكوم يمنح واشنطن دوراً مركزياً كضامن أمني، ويمنع تشكل تكتل إقليمي مستقل تماماً. لكن هذا لا يعني أن إيران ضحية بريئة؛ هي من اختارت استراتيجية الوكلاء والضغط على المضيق، فدفعت المنطقة ثمن حساباتها.
هل توجد قراءة إيرانية واقعية بعيداً عن البرج العاجي؟
حتى الآن، تبدو القراءة الإيرانية الرسمية أسيرة منطق «الردع بالمعاناة المشتركة». طهران ترى أن قدرتها على إيلام الخليج والاقتصاد العالمي هي ما أجبر واشنطن على تقديم تنازلات. هذا صحيح تكتيكياً على المدى القصير، لكنه يقود إلى استنزاف طويل الأمد: كل ضربة على منشأة خليجية تسرّع تنويع مسارات التصدير، وتقوي التنسيق الدفاعي الخليجي، وتجعل أي ثقة مستقبلية أصعب. البرج العاجي هنا هو الاعتقاد بأن الضغط المستمر سيفرض على الجيران القبول بترتيب إقليمي تهيمن عليه طهران. الواقع يقول إن هذا الضغط يدفعهم أكثر نحو التماسك والتحالف مع واشنطن، لا العكس.
دخول السعودية على خط الرد… هل يغير المعادلة؟
نعم، يغيرها بشكل ملموس وفي 29 يوليو 2026، نفذت القوات السعودية بالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية ضربات محددة ضد ميليشيات موالية لإيران في العراق، رداً على هجمات بطائرات مسيرة استهدفت منشآت نفطية سعودية انطلقت من الأراضي العراقية. جاءت هذه الضربات بعد أشهر من سياسة الصبر النسبي، وفي سياق تصعيد موازٍ مع الحوثيين في اليمن. هذا التحول يعني ان السعودية لم تعد تكتفي بالدفاع الجوي والبيانات. أصبحت طرفاً يضرب مصادر التهديد مباشرة والرسالة واضحة ان استهداف المنشآت السعودية له ثمن خارج الحدود و المعادلة تنتقل من «إيران تضرب الخليج عبر وكلاء، والخليج يمتص» إلى «الخليج يرد في ساحات الوكلاء».
دور الخليج في هذا التغير حاسم إذا بقيت الردود فردية، ستظل الاستراتيجية الإيرانية فعالة أما إذا تحولت إلى تنسيق دفاعي وهجومي مشترك (معلومات، قدرات، قرارات)، فإن كلفة الردع غير المتكافئ على إيران سترتفع بشكل كبير. السعودية فتحت الباب؛ بقية دول المجلس مطالبة بأن تقرر إن كانت ستمر منه جماعياً أم تبقى كل واحدة تدير أزمتها منفردة.
الخلاصة: الثقة الإيرانية مع الجيران لن تأتي إلا بتغيير سلوك، لا بتغيير خطاب و«قبلة الحياة» الأمريكية منحت طهران فرصة تنفس، لكنها لم تمنحها تفويضاً بتحويل الخليج إلى ساحة دائمة والرد السعودي الأخير يقول إن هذه الساحة لم تعد مفتوحة بلا ثمن.
حفظ الله عمان وشعبها وسلطانها والأمة العربية والإسلامية والإنسانية كافة من كل مكروه …


