الوعي الجمعي بين التعبئة الموجهة والترفيه المُشتت… والخليج بحاجة إلى صحوة إدراكية لا شعارات

نشرت :

راي صحفي


صحيفة اليوم العمانية

ما تلاحظه دقيق في جوهره وإن كان يحتاج إلى تفكيك موضوعي بعيداً عن المبالغة أو التمجيد الأعمى لأي نموذج.
وإيران نجحت فعلاً، على مدى عقود، في بناء آلة تعبئة عامة قوية الإعلام الرسمي والحرس الثوري والمؤسسات التعليمية والدينية يعملون بتناغم نسبي على رواية واحدة: التهديد الخارجي دائم، والصمود واجب وطني وديني، والتفاصيل تُقدَّم يومياً عبر قنوات متعددة (تلفزيون، منصات، خطب، مناهج). النتيجة: شريحة واسعة من الشعب تمتلك «إدراكاً مشتركاً» لما يُدار حولها، حتى لو كان هذا الإدراك موجَّهاً ومنتقى. هذا الوعي الجمعي يمنح النظام قدرة على امتصاص الصدمات وتحويل الأزمات إلى مصدر تماسك داخلي. لكنه وعي مشروط: الرقابة صارمة، والمعارضة أو الرواية البديلة تُقمع أو تُشيطن، والتفاصيل تُفلتر بما يخدم السردية الرسمية.
في الخليج والعالم العربي الأوسع الصورة مختلفة. الإعلام الترفيهي والبرامج اليومية والمواد الاستهلاكية تحتل مساحات واسعة، وهذا ليس عيباً في حد ذاته؛ المجتمعات المستقرة تحتاج إلى مساحة للتنفس والحياة الطبيعية. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول هذا الترفيه إلى حاجز أمام الإدراك، فيُصبح المواطن يعيش في «كوكب يومي» منفصل عن المخاطر الاستراتيجية التي تمس أمنه واقتصاده ومستقبله. القنوات الخاصة، سواء كانت محلية أو عابرة للحدود، غالباً ما تحمل أجندات مسبقة: بعضها يميل إلى طرف، وبعضها يدافع عن طائفة أو دولة أو تيار، وبعضها يبحث عن الإثارة والمشاهدات. والنتيجة أن المتلقي العادي يصبح فريسة لروايات متضاربة بلا فلتر نقدي كافٍ.

أما الإعلام الرسمي في كثير من الدول الخليجية والعربية، فما زال في معظمه تقليدياً: رسائل سطحية، ردود فعل متأخرة، وتركيز على الدفاع عن الموقف الرسمي أكثر من بناء فهم عميق مشترك. ظهور بعض صناع القرار والمفكرين والإعلاميين في هذه المنصات يكشف أحياناً سطحية التحليل أو الانحياز الضيق (وطني، طائفي، شخصي). هذا يُضعف الثقة ويُشتت الجمهور بدلاً من توحيده حول مصالح عليا.

ما نحتاجه فعلاً
ليس تقليد النموذج الإيراني حرفياً فالتعبئة المفرطة التي تلغي النقد قد تُنتج مجتمعاً منقاداً لا واعياً ما نحتاجه هو وعي خليجي وعربي نقدي ومشترك و توحيد الصف حول المصالح الاستراتيجية المشتركة (أمن المضائق، استقرار الطاقة، مواجهة التهديدات الإقليمية والدولية الحقيقية) بعيداً عن التناحر الضيق الذي يستنزف الطاقة. ووجود إعلام رسمي وخاص يرتقي إلى مستوى التحدي يقدم التفاصيل بموضوعية، يشرح الخلفيات، ويكشف المصالح المتضاربة دون أن يتحول إلى بوق لطرف أو آخر. الوعي الحقيقي يبدأ عندما يفهم المواطن أن ما يحدث ليس «مسرحية ترفيهية» بل لعبة مصالح كبرى تمس معيشته وأمنه. التركيز على العدو الحقيقي أو التحدي الحقيقي (سواء كان إقليمياً يهدد الملاحة والطاقة، أو دولياً يستغل الانقسامات)، بدل الاستغراق في خلافات داخلية أو طائفية أو إعلامية تُضعف الجميع.
الحرص على بناء ثقافة إعلامية تُعلّم الفلترة: كيف تقرأ الخبر، كيف تميز الأجندة، كيف تربط التفاصيل بالصورة الكبيرة. الشعوب التي تُترك فريسة للترفيه فقط أو للروايات المنحازة تصبح ضعيفة في لحظات الحقيقة.
الخليج ليس فقيراً في العقول أو الإمكانيات لديه موارد وإعلام متنوع وشعوب متعلمة نسبياً ما ينقصه أحياناً هو الإرادة في تحويل هذا التنوع إلى قوة إدراك جماعي، بدل أن يبقى مشتتاً بين قنوات تتصارع على العقول. الوحدة الحقيقية لا تعني إلغاء الاختلاف، بل الاتفاق على الأولويات الكبرى: أن لا يتحول الخليج إلى ساحة حرب بالوكالة، وأن لا تُترك الشعوب في غفلة عما يُدار حولها من دسائس وصراعات.

الوعي ليس ترفيهاً ولا تعبئة عمياء. هو قدرة على رؤية المصلحة المشتركة بوضوح، والدفاع عنها بثبات. هذا ما يجب أن يُبنى عليه الصف الخليجي والعربي اليوم، قبل أن تفرض الوقائع على الجميع ثمناً أعلى.

حفظ الله عمان وشعبها وسلطانها والأمة العربية والإسلامية من كل سوء …

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img