الممرات البرية بين سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية… جسر استراتيجي نحو تكامل اقتصادي واجتماعي أعمق

نشرت :

هل سنرى تطويراً أو منفذاً جديداً من المزيونة – ميتن قريباً؟

رأي اليوم


صحيفة اليوم العُمانية

في قلب صحراء الربع الخالي الشاسعة، يبرز اليوم طريق بري يُعدّ أحد أبرز الإنجازات الهندسية واللوجستية في المنطقة. هذا الممر الذي يربط سلطنة عُمان بالمملكة العربية السعودية مباشرة لم يعد مجرد مسار عابر، بل تحول إلى شريان حيوي يعيد رسم خريطة التبادل التجاري والتنقل الاجتماعي بين البلدين الشقيقين، ويخدم مستهدفات رؤية عُمان 2040 ورؤية السعودية 2030 على حد سواء.
يُعدّ منفذ رملة خيلة (على الجانب العُماني) أو منفذ الربع الخالي (على الجانب السعودي) المنفذ البري الوحيد المباشر بين البلدين. أُعلن عنه رسمياً عام 2006، وافتتحت الطريق الاستراتيجي المؤدي إليه بالكامل في ديسمبر 2021، بطول إجمالي يقارب 725 كيلومتراً (نحو 161 كم داخل الأراضي العُمانية من دوار عبري بمحافظة الظاهرة، و564 كم داخل الأراضي السعودية من تقاطع البطحاء – حرض مروراً بحقل الشيبة). قبل هذا الطريق، كان التنقل البري يتطلب المرور عبر دولة الإمارات العربية المتحدة، مما كان يضيف مئات الكيلومترات والوقت والتكلفة. اليوم، يختصر الطريق المسافة بنحو 800 كيلومتر، ويعمل على مدار الساعة للأفراد، مع تنظيم حركة الشاحنات التجارية. ومنذ افتتاحه وحتى أغسطس 2025، عبره مئات الآلاف من المواطنين من الجانبين، مما يؤكد حيويته المتزايدة.
وفي تطور لافت، وقّعت شركة «سبارك» اللوجستية السعودية وشركة «أركان» اللوجستية العُمانية اتفاقية شراكة استراتيجية لإطلاق ممر لوجستي بري يعتمد على طريق الربع الخالي القائم. يمتد المسار نحو 564 كيلومتراً من تقاطع البطحاء – حرض قرب المنطقة الشرقية والدمام حتى المنفذ الحدودي، ثم يستمر داخل الأراضي العُمانية نحو محافظة الظاهرة وموانئ مثل صحار. ويُشار إليه إعلامياً بـ«من الدمام إلى مسقط» لأنه يربط المنطقة الشرقية السعودية بموانئ ومراكز لوجستية عُمانية تؤدي إلى العاصمة والمناطق الأخرى.
تهدف الاتفاقية إلى تسريع حركة البضائع والترانزيت، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، وخفض تكاليف النقل وتقليص زمن الشحن (يُتوقع انخفاض يصل إلى 30% في بعض الحالات)، وتعزيز الربط بين ميناء صحار والمنطقة الحرة من جهة، والميناء الجاف في مدينة الملك سلمان للطاقة (سبارك) من جهة أخرى. كما تسهم في دعم انسيابية التجارة بعيداً عن الاعتماد الكامل على الممرات البحرية الحساسة مثل مضيق هرمز، مما يمنح البلدين بديلاً برياً آمناً نسبياً يربط عمق الجزيرة العربية ببحر العرب والمحيط الهندي مباشرة.
يسهم هذا الممر في مضاعفة التبادل التجاري الذي شهد مستويات مرتفعة في السنوات الأخيرة، ويخفض تكاليف النقل ويسرّع وصول البضائع، ويدعم سلاسل الإمداد الإقليمية، ويفتح آفاقاً للاستثمار المشترك والمناطق الحرة القريبة من الحدود (مثل المنطقة الاقتصادية في الظاهرة). كما يربط الموانئ العُمانية المفتوحة على البحار العالمية بالمناطق الصناعية السعودية، معززاً دور البلدين كمراكز لوجستية إقليمية.
وعلى الصعيد الاجتماعي، يسهّل الممر تنقل العائلات والأصدقاء والسياح، ويقوي الروابط الأخوية التاريخية بين الشعبين، ويدعم حركة الحج والعمرة. أما استراتيجياً، فيوفر بديلاً آمناً عن المسارات البحرية المضطربة، ويعزز أمن الإمدادات، ويدعم التعاون الحدودي الأمني والجمركي، ويحول الحدود من خطوط فصل إلى جسور تكامل. كما يمنح محافظة الظاهرة والمنطقة الشرقية موقعاً محورياً في منظومة النقل الإقليمية، ويشجع على تطوير البنية التحتية المحيطة وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.

هل من منفذ جديد في المزيونة – ميتن؟
أما الحديث عن افتتاح منفذ بري مباشر من ولاية المزيونة إلى نيابة ميات باتجاه الأراضي السعودية، فهو امر مهم فولاية المزيونة تمثل حالياً المنفذ البري الرئيسي مع الجمهورية اليمنية، وتضم منطقة حرة نشطة تخدم التجارة مع اليمن ودول القرن الأفريقي.
وفي حال تبلور أي مشروع مستقبلي في هذا الاتجاه فإن أهميته المحتملة لمحافظة ظفار ستكون كبيرة. إذ يمكن أن يفتح بوابة برية مباشرة نحو جنوب السعودية (مناطق نجران وعسير والربع الخالي الجنوبي)، بدلاً من الاعتماد على الطريق الطويل عبر الظاهرة أو عبر الإمارات. وسيُسهم ذلك في إنعاش المنطقة الحرة بالمزيونة وولاية المزيونة وصلالة كمراكز لوجستية وتخزين وإعادة تصدير، وخلق فرص عمل في النقل والخدمات الجمركية، ودعم التنمية في المناطق الحدودية النائية، وتسهيل حركة السياحة والحج والعمرة. كما سيوفر مساراً أقصر لبعض البضائع المتجهة من موانئ صلالة والدقم باتجاه جنوب ووسط السعودية، مما يقلل التكلفة والوقت مقارنة بالمسار الشمالي الحالي، ويعزز التبادل التجاري في السلع المحلية ويدعم سلاسل الإمداد البديلة.

لم تعد الممرات البرية بين عُمان والسعودية مشروعاً مستقبلياً، بل واقعاً يعمل ويتطور. وتمثل الاتفاقية اللوجستية التي وُقعت في أغسطس 2026 نقلة نوعية نحو استغلال كامل لإمكانات هذا الربط. ومع استمرار التعاون والتنسيق بين البلدين الشقيقين، سيظل هذا الطريق شاهداً على أن الحدود بين الأشقاء يمكن أن تكون جسوراً للرخاء المشترك، لا مجرد خطوط على الخريطة. والمستقبل يحمل المزيد من الفرص إذا ما استُثمر هذا الربط بحكمة وسرعة.

حفظ الله عمان وشعبها وسلطانها والأمة العربية والإسلامية من كل مكروه …

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img