الأستاذ/ معمر بن عوفيت الشحري***
في زمن تتعدد فيه الخيارات، قد يبدو الإنسان أكثر حرية من أي وقت مضى.
يختار ما يقرأ، وما يشاهد، وأين يذهب، وماذا يشتري، ومن يصاحب، وحتى الطريقة التي يريد أن يعيش بها.
لكن ثمة سؤالًا آخر ربما يستحق أن نتوقف عنده:
هل نحن فعلًا من يختار؟ أم أن كثرة الخيارات أصبحت تختار عنا بدلًا منا؟
في السابق، كانت الخيارات محدودة، وكان الإنسان يحتاج إلى وقت طويل حتى يصل إلى المعلومة أو المنتج أو الفرصة.
أما اليوم، فأصبح كل شيء قريبًا منا؛ المعلومة تصل إلينا، والفرص تُعرض أمامنا، والآراء تحيط بنا من كل اتجاه.
وهنا لا تكمن المشكلة في كثرة الخيارات، وإنما في قدرتنا على التمييز بينها.
فالإنسان الذي لا يعرف ماذا يريد، قد تتحول كثرة الخيارات أمامه من فرصة إلى حالة من التشتت، وقد يجد نفسه يعيش وفق ما يراه الآخرون مناسبًا له، لا وفق ما يراه هو مناسبًا لحياته.
وهنا تبدأ القضية الحقيقية:
هل نربي أبناءنا على الاختيار، أم نربيهم فقط على الوصول إلى الخيارات؟
فالوصول إلى المعلومة لم يعد تحديًا كبيرًا، لكن معرفة المعلومة التي تستحق أن نثق بها أصبحت أكثر أهمية.
والنجاح لم يعد مجرد امتلاك الفرصة، وإنما القدرة على معرفة الفرصة التي تستحق أن نمنحها وقتنا وجهدنا.
وهذا ينقلنا من قضية الخيارات إلى قضية أعمق: الوعي.
فالإنسان الواعي لا يسير خلف كل ما يلمع، ولا يرفض كل جديد، وإنما يسأل قبل أن يختار:
هل هذا مناسب لي؟
هل سيضيف إلى حياتي و يترك أثراً طيباً للمجتمع؟
هل يخدمني على المدى البعيد؟
وهذه الأسئلة البسيطة قد تكون أهم من امتلاك آلاف الخيارات.
وهذا المعنى حاضر في توجيه الإسلام؛ فقد قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وفي الآية توجيه إلى الرجوع إلى أهل العلم والمعرفة فيما نجهله، بدل أن نبني قراراتنا على الظن أو التخمين.
كما قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، لتبقى المشورة واحدة من القيم التي تساعد الإنسان على حسن النظر في الخيارات قبل اتخاذ القرار.
ولذلك فإن الاختيار الصحيح لا يعني أن نعرف كل شيء، وإنما أن نعرف متى نسأل، ومتى نستشير، ومتى نتوقف، ومتى نمضي.
وقد نُسب إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: «قيمة كل امرئ ما يحسن»؛ وهي عبارة تختصر معنى مهمًا: أن قيمة الإنسان ليست فيما يملك فقط، وإنما فيما يحسنه ويستطيع أن يقدمه.
لأن المشكلة ليست دائمًا في قلة الفرص، وإنما أحيانًا في أننا لا نعرف أي فرصة تستحق أن نختارها.
وفي عالم سريع التغير، أصبحت القدرة على اتخاذ القرار مهارة لا تقل أهمية عن المعرفة نفسها.
فالطالب يحتاج أن يعرف ماذا يريد أن يتعلم، والموظف يحتاج أن يعرف أين يستثمر قدراته، والأسرة تحتاج أن تعرف ما الذي يستحق أن تمنح أبناءها من وقت واهتمام، والمجتمع يحتاج إلى أفراد قادرين على التفكير قبل الحكم.
ولهذا أعتقد أن التربية في المستقبل لن تكون فقط في تعليم الأبناء كيف ينجحون، وإنما كيف يختارون الطريق الذي يستحق النجاح فيه.
فليس كل طريق سريع يؤدي إلى المكان الصحيح، وليس كل فرصة مغرية تستحق أن نستثمر فيها أعمارنا.
وربما نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن نعلم أبناءنا قيمة التريث؛ أن يتوقفوا قليلًا قبل أن يقرروا، وأن يسألوا قبل أن يصدقوا، وأن يفكروا قبل أن يقلدوا.
فالمستقبل لن يحتاج فقط إلى أشخاص يعرفون الكثير، وإنما إلى أشخاص يعرفون ماذا يفعلون بما يعرفون.
وهنا أعود إلى السؤال الأول:
من يملك قراره؟
ربما لا نستطيع أن نتحكم في كل ما يحدث حولنا، ولا أن نمنع العالم من تغيير خياراته كل يوم.
لكننا نستطيع أن نمتلك شيئًا أهم:
القدرة على اختيار ما يستحق أن نمنحه وقتنا، واهتمامنا، وجهدنا، وحياتنا.
فالحياة ليست في عدد الخيارات التي نملكها، وإنما في جودة الاختيارات التي نصنعها.
وربما يكون مستقبل الإنسان أقل ارتباطًا بما سيأتي إليه من فرص، وأكثر ارتباطًا بالفرص التي سيقرر أن يقول لها: نعم، وتلك التي سيملك الشجاعة ليقول لها: لا.
فالمستقبل لا يصنعه من يملك الخيارات فقط…
بل من يعرف أيّها يستحق أن يختار.
**كاتب عُماني مهتم بالقضايا الفكرية والاجتماعية والإدارية،
ماجستير في الإدارة.


