د. محمد بشير
جامعة الشرقية كلية إدارة الأعمال
قسم نظم المعلومات وتحليلات الأعمال
يتردد في كل مكان، في قاعات الدرس، وصالات الاجتماعات وأحاديث المقاهي، سؤال واحد تشبعه نبرة من القلق، “هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟” الإجابة الصادقة التي لا تريحك ولا ترعبك؟ هي لا، لكنه سيغيرها تغييرا جذريا، وستكون أنت من يقرر إن كان هذا التغيير لصالحك أم ضدك.
الخطأ الشائع أننا نتصور الذكاء الاصطناعي آلة جاءت لتحتل مكاتبنا، وتسرق مساحاتنا الحقيقة. الحقيقة أدق من ذلك وأكثر إثارة للتأمل، الذكاء الاصطناعي لا يستهدف الإنسان، بل يستهدف المهام، وتحديدا تلك المهام الروتينية المتكررة التي يقضي فيها الموظف ساعات طويلة بدون أن يضيف قيمة حقيقية كإدخال البيانات وإعداد التقارير النمطية، وتصنيف المعلومات. والتقارير الدولية الحديثة تشير إلى أن نسبة الوظائف المعرضة للإلغاء التام تظل محدودة، في حين الأغلبية العظمى ستتغير طبيعتها وتتطور. الفارق بين الحالتين ليس في التقنية، بل في الإنسان الذي يتعامل معها.
ذلك أن الآلة تتفوق في السرعة، والدقة، والمعالجة الضخمة للبيانات لكنها تفتقر إلى ما يجعل الإنسان لا غنى عنه: فهم السياق والحكم في المواقف الرمادية، والذكاء العاطفي في التعامل مع الناس، والقدرة على الابتكار حين لا توجد سابقة. هذه ليست مهارات رفاهية، بل هي خط الدفاع الأول لكل مهني يريد أن يبقى ذا قيمة في سوق عمل متحول.
عمان في المنعطف الاستراتيجي
تقف عمان اليوم في منعطف استراتيجي حقيقي، فإنشاء المنطقة الخاصة للذكاء الاصطناعي في مسقط، ليس مجرد إعلان عن مشروع تقني، بل هو رسالة واضحة بان اقتصاد الغد سيبنى على المعرفة، لا على العمالة الروتينية، ورؤية 2040 في جوهرها رهان على الكفاءة البشرية المزودة بأدوات العصر. وهذا يطرح سؤالا لا يمكن تأجيله: هل مخرجاتنا التعليمية اليوم تعد كوادر قادرة على توظيف هذه التقنية؟ أم كوادر ستنافسها في مهام باتت الآلة تؤديها بكفاءة أعلى وتكلفة أقل.
أداة في يد الإنسان
في عالم الأعمال، المسألة ليست “هل تستخدم الذكاء الاصطناعي؟” بل “كيف تستخدمه”. المحلل الذي يوظف أدوات التحليل التنبؤي لا يعوض فكره بالآلة، بل يحرر فكره منها، إذا يتخلص من عبء البيانات ليتفرغ للسؤال الأهم: ماذا تعني هذه البيانات، وكيف نبني عليها قرارا. هذا ينطبق على الخدمات المالية والسياحة، والقطاع الحكومي، والتعليم، وسواها. فالتقنية أداة، والأداة لا تتجاوز يد من يحملها.
مسؤوليه مشتركة
المسؤولية إذا مشتركة على المؤسسات الأكاديمية أن تعيد النظر في مناهج تعلم، الحفظ والتكرار في عصر يكافئ التحليل والإبداع. وعلى قطاع الأعمال أن يستثمر في تدريب كوادره على التكيف مع أدوات وتقنيات متجددة. لا أن ينتظر حتى تصير المهارات القديمة عبئاً. والأهم من ذلك كله: على كل مهني وطالب أن يدرك أن التعلم المستمر لم يعد خيارا شخصيا، بل شرطا للبقاء الفاعل في المشهد.
في النهاية، السؤال لم يعد “متى ستستبدلنا الألة؟” السؤال الأجدر بالتفكير هو: “ماذا تعرف أنت أن تفعل بدونها؟” من يملك جوابا واضحا لهذا السؤال، فوظيفته لن تختفي، بل ستتوسع.


