هل تحتاج الروح إلى وضوء؟

نشرت :

حين نكتشف أن أخطر ما يلوثنا قد يأتي مرتديًا اسمًا جميلًا

«تبدأ الفلسفة من السؤال لا من الجواب.»

بقلم: أحمد الحضرمي

قبل أن نبدأ، جرّب شيئًا واحدًا.

اختر صفة تقولها عن نفسك دون تفكير:

أنا حساس.

أنا قوي.

أنا حذر.

أنا وفيّ.

أنا صريح.

أنا هكذا.

والآن، لا تسأل إن كانت الصفة صحيحة.

اسأل سؤالًا أصعب:

من أين جاء اسمها؟

قد يبدو السؤال غريبًا.

لكننا نعيش معظم حياتنا ونحن نطلق أسماء على الأشياء التي تحدث في داخلنا، ثم نتعامل مع الاسم كما لو أنه الحقيقة نفسها.

نسمي الخوف حذرًا.

ونسمي التملك حبًا.

ونسمي الكبرياء كرامة.

ونسمي الهروب سلامًا.

ونسمي العجز عن التغيير وفاءً.

ثم ندافع عن هذه الأسماء دفاعًا شرسًا؛ لأننا لا نشعر أننا ندافع عن سلوك، بل عن أنفسنا.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فالشيء الذي لا نعرف اسمه لا نستطيع فحصه، والشيء الذي نسميه باسم خاطئ قد نقضي عمرنا كله نحميه.

نحن نعرف كيف ننظف أجسادنا.

نعرف الماء، ونعرف الوضوء، ونعرف معنى الطهارة حين تكون النجاسة أمام العين.

لكن الإنسان لا يحمل داخله أشياء لها لون أو رائحة.

قد يحمل فكرة.

وقد يحمل خوفًا.

وقد يحمل رغبة.

وقد يحمل حكمًا ورثه من بيئته.

وقد يحمل صورة عن نفسه تشكلت في طفولته، ثم كبرت معه حتى نسي أنها صورة.

وهنا يصبح سؤال الطهارة أكثر عمقًا:

هل يمكن أن يحتاج الإنسان إلى التطهير من شيء لا يراه أصلًا؟

الغزالي يقترب من هذا السؤال من داخل مفهوم الطهارة نفسه.

في «كتاب أسرار الطهارة» من إحياء علوم الدين، لا يوقف الطهارة عند ظاهر الجسد؛ بل يميز بين مراتب تبدأ بتطهير الظاهر، ثم الجوارح، ثم القلب من الأخلاق المذمومة، ثم السر عما سوى الله. وهذه المراتب متدرجة؛ فلا يكفي عنده الوقوف عند القشرة الظاهرة إذا كان المقصود هو بلوغ حقيقة الطهارة.

وهذه الحركة مهمة.

لأنها تنقلنا من سؤال:

هل أنا نظيف؟

إلى سؤال أكثر إزعاجًا:

ما الذي يحدث في داخلي؟

لكن الغزالي، بهذا المعنى، يضعنا أمام مشكلة لم ننتبه إليها بعد.

حتى نطهر الشيء، علينا أولًا أن نراه.

وحتى نراه، علينا أن نسميه.

وهنا تبدأ اللعبة الحقيقية.

ماذا لو لم يكن العيب في الشيء وحده؟

ماذا لو كان العيب أحيانًا في الاسم الذي منحناه له؟

لو قلت:

أنا حريص.

قد يكون صحيحًا.

لكن قد يكون خوفًا.

ولو قلت:

أنا أحب.

قد يكون حبًا.

وقد يكون رغبة في الامتلاك.

ولو قلت:

أنا أحفظ كرامتي.

قد تكون كرامة.

وقد يكون كبرياءً لا يريد الاعتذار.

ولو قلت:

أنا أسامح.

قد يكون تسامحًا.

وقد يكون عجزًا عن وضع حد.

المشكلة إذن ليست دائمًا في المشاعر.

المشكلة في التفسير الذي نعطيه لمشاعرنا.

وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة:

ماذا لو كنت لا تعاني من بعض الأشياء لأنك لا تعرف أنها أشياء ينبغي أن تراها أصلًا؟

لكن انتبه.

إذا كان الكشف هو البداية، فهل يعني ذلك أن علينا أن نحدق في أنفسنا بلا نهاية؟

هنا يدخل ماركوس أوريليوس، ويحدث أول تصادم حقيقي.

في «التأملات»، الكتاب الثامن، الفقرة 51، يستخدم صورة النبع الذي قد يقع فيه الطين أو القذر، لكنه لا يحتفظ به كما يحتفظ الصهريج بما يُلقى فيه؛ بل يظل جاريًا ويستعيد صفاءه.

الصورة هنا مختلفة تمامًا.

الغزالي يدفعنا إلى الداخل: انظر، سمِّ، طهِّر.

أما ماركوس أوريليوس فيضع شرطًا آخر: لا تجعل ما دخل إليك يصبح أنت.

وهنا يظهر سؤال لم يكن ظاهرًا في البداية:

هل معرفة ما في الداخل تحررنا، أم قد تجعلنا أكثر تعلقًا به؟

قد أعرف غضبي جيدًا، ثم أقضي سنوات أشرح غضبي بدل أن أتحرر منه.

وقد أفهم جرحي إلى درجة أجعله مركز هويتي.

وقد أتعلم كل شيء عن خوفي، ثم أبني حياتي كلها حوله.

إذن:

الكشف وحده لا يكفي، لكن الإفلات وحده قد يكون إنكارًا.

نحن بحاجة إلى الأمرين معًا:

أن نرى ما فينا، دون أن نتحول إليه.

وهنا تصبح صورة النبع أكثر من استعارة جميلة.

النبع لا ينكر الطين.

ولا يجلس ليستجوبه.

ولا يحتفظ به.

يمر به.

وربما لا يكون النضج أن تعرف كل شيء عن نفسك، بل أن تعرف متى تتوقف عن جعل نفسك موضوعًا دائمًا للمراقبة.

نحتاج إلى أن نرى.

ثم نحتاج إلى أن نترك بعض الأشياء تمر.

وهنا يأتي إبيكتيتوس من جهة ثالثة.

في بداية «المختصر»، يميز بين ما يقع تحت قدرتنا، مثل أحكامنا ورغباتنا ونفورنا وأفعالنا، وما لا يقع تحت قدرتنا، مثل البدن والمال والسمعة والمناصب وما ليس من أفعالنا.

وهذا يعيد تعريف الطهارة بطريقة مختلفة.

ربما بعض ما نحمله في أرواحنا ليس شيئًا يجب «إصلاحه» أصلًا.

بل شيء يجب أن نتوقف عن محاولة امتلاكه.

رأي شخص آخر.

قرار شخص آخر.

ماضٍ انتهى.

نتيجة لم نعد نملكها.

صورة يريدها الآخرون عنا.

شيء فقدناه.

شيء لم يحدث.

أحيانًا لا نحتاج إلى تنظيف أرواحنا من هذه الأشياء.

نحتاج فقط إلى أن نعيدها إلى أصحابها.

ليس كل ما يؤلمك مسؤوليتك.

لكن هناك طبقة أخرى.

المعنى الذي نحمله في داخلنا لا يتشكل دائمًا في عزلة.

نحن نعيش وسط عالم لا يكتفي بعرض الأشياء علينا، بل يمنحها أسماءها ومكانتها وصورها.

وهنا يصبح تحليل جان بودريار لمجتمع الاستهلاك مهمًا. فقد رأى أن الأشياء في المجتمع الاستهلاكي لا تُستهلك لمنفعتها وحدها؛ إنها تدخل أيضًا في منظومة من العلامات والفروق الاجتماعية، حيث يمكن للشيء أن يحمل معنى يتجاوز وظيفته، وأن يصبح علامة على المكانة والأسلوب والهوية.

لكن إذا أخذنا هذه الفكرة خطوة أبعد — وهي الخطوة التي تعنينا هنا — يظهر سؤال مختلف:

ماذا يحدث عندما لا نستهلك الأشياء وحدها، بل نبدأ باستهلاك المعاني التي تأتي معها؟

كيف ينبغي أن يكون النجاح؟

كيف ينبغي أن يبدو الحب؟

ماذا تعني القوة؟

ما الذي يسمى فشلًا؟

وما الذي يسمى حياة ناجحة؟

قد لا نلاحظ اللحظة التي تتحول فيها هذه الصور من أشياء نراها إلى معايير نقيس بها أنفسنا.

ومن هنا نعود إلى السؤال الأول، ولكن من باب آخر:

من علّمني أن أسمي هذا نجاحًا؟

ومن علّمني أن أسمي ذلك حبًا؟

ومن قال إن هذه هي القوة، وإن ذلك هو الضعف؟

ربما نكتشف أن بعض ما نظنه «أنا» ليس إلا أشياء دخلت إلينا في وقت لم نكن نملك فيه القدرة على نقدها.

ثم كبرنا.

ثم نسينا مصدرها.

ثم دافعنا عنها باعتبارها اختياراتنا.

وهنا يفتح الرومي بابًا آخر.

في «المثنوي المعنوي»، في الدفتر الثالث، ضمن حكاية دقوقي، يميز الرومي بين العمى الظاهر والعمى الباطن، ثم يتحدث عن انكشاف «نجاسات البواطن»، ويأتي في هذا السياق إلى صورة ماء العين، أي الدمع، بوصفه الماء الذي يُغسل به ما انكشف من قذارة الباطن.

واللافت هنا أن الصورة ليست صورة الوضوء الجسدي.

وهذا فرق ينبغي ألا يضيع.

لا أريد أن أنسب إلى الرومي العبارة الشائعة: «ماء الوضوء لا ينفع نفسًا تدنسها النوايا».

هذه ليست العبارة التي يثبتها النص.

والأمانة هنا أهم من جمال العبارة.

النص نفسه أكثر ثراءً؛ لأنه يتحدث عن شيء مختلف: عن نجاسة داخلية لا تظهر إلا حين ينكشف الباطن، وعن الدمع بوصفه صورة للماء الذي يطهر هذا الانكشاف.

وهكذا يعود الرومي، من طريق آخر، إلى السؤال الذي بدأنا منه:

ماذا نسمي ما يحدث في داخلنا؟

فما لا نراه قد لا نستطيع تطهيره.

وما لا نستطيع تسميته قد لا نستطيع حتى أن نبدأ في مواجهته.

لكن حتى هنا يجب أن نحذر.

قد نبدأ بتفكيك أنفسنا إلى درجة لا نعيش معها.

كل شعور يصبح «مشكلة».

كل رغبة تصبح «جرحًا».

كل علاقة تصبح «نمطًا».

كل حزن يصبح «صدمة».

وكل اختلاف يصبح «خللًا».

فتتحول معرفة النفس إلى نوع جديد من الاستعباد.

وهنا تتضح المفارقة التي بدأ بها المقال.

الغزالي لا يسمح لنا أن نكتفي بالظاهر، لكن ماركوس أوريليوس يذكّرنا بألا نجعل ما دخل إلينا هو هويتنا. وإبيكتيتوس يضع حدًا آخر: ليس كل ما يؤلمنا شيئًا نملك تغييره. والرومي يضيف طبقة مختلفة: قد توجد في الباطن أشياء لا تظهر إلا عندما نملك شجاعة النظر إليها.

هكذا لا تصبح هذه الأفكار أربع إجابات متجاورة.

إنها تضيق الخناق على السؤال نفسه:

انظر، لكن لا تغرق.

سمِّ، لكن لا تتماهَ.

غيّر ما تملك، واترك ما ليس لك.

وإذا انكشف الباطن، فلا تهرب منه.

ربما هذه هي الصعوبة الحقيقية في تطهير الروح:

أن تعرف متى يكون عليك أن تنظر، ومتى يكون عليك أن تترك، ومتى يكون عليك أن تغيّر.

ربما لا يكون «وضوء الروح» عملية نغسل بها أنفسنا حتى نصبح بلا عيوب.

إنه، في هذا المعنى، استعارة أكثر تواضعًا:

أن نتعلم النظر.

ثم التسمية.

ثم التمييز.

ثم التخلي.

أن نعرف ما يجب أن نواجهه، وما يجب أن نتركه يمر.

أن نعرف ما هو لنا، وما ليس لنا.

وأن نعرف متى تكون الحاجة إلى التطهير حقيقية، ومتى يكون ما نفعله مجرد محاولة أخرى للسيطرة على أنفسنا.

ربما لا تحتاج الروح إلى أن تصبح بلا طين.

ربما تحتاج فقط إلى ألا تتحول إلى صهريج يحتفظ بكل ما أُلقي فيه.

لكنني أعود إلى السؤال الأول.

إلى تلك الجملة الصغيرة:

أنا هكذا.

كم من الأشياء في حياتنا بدأت بهذه الجملة؟

وكم منها لم يكن «نحن» أصلًا؟

ربما كانت تجربة.

أو خوفًا.

أو تربية.

أو ثقافة.

أو صوتًا سمعناه مرات كثيرة.

أو اسمًا أطلقناه على شيء في داخلنا، ثم صدقنا الاسم أكثر مما صدقنا الحقيقة.

وربما تبدأ إشراقة الروح في لحظة صغيرة جدًا:

حين نتوقف عن حماية الاسم…

وننظر إلى الشيء نفسه.

لأن الإنسان قد لا يحتاج دائمًا إلى أن يتخلص من شيء.

أحيانًا يحتاج فقط إلى أن يراه كما هو.

ثم يقرر ماذا يفعل به.

وهنا يصبح السؤال أكبر من الوضوء.

وأكبر من القلب.

وأكبر من الفرد نفسه.

إذا كانت الروح تتشكل بما يدخل إليها، وإذا كانت الأسماء التي نمنحها للأشياء تحدد أحيانًا علاقتنا بها…

فمن الذي يختار أسماء عالمنا الداخلي؟

ومنذ متى أصبحنا نعتقد أن الصوت الذي في داخلنا… صوتنا نحن؟

وربما يكون السؤال الذي يستحق أن نغادر به هذا المقال ليس سؤالًا عن الطهارة وحدها، بل عن الحرية نفسها:

إذا لم نكن نختار كل ما يدخل إلى أرواحنا، فهل نستطيع أن نختار ما تصبح عليه؟

لكن هذا السؤال نفسه يحمل افتراضًا لم نفحصه بعد: أننا نحن من نسمّي. أننا نحن من نطلق الأسماء على ما يحدث في داخلنا.

فمن قال إننا نحن من فعل ذلك أصلًا؟

المراجع

1. أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، كتاب أسرار الطهارة ومهماتها، في بيان مراتب الطهارة الأربع.

2. جلال الدين محمد الرومي، المثنوي المعنوي، الدفتر الثالث، ضمن حكاية دقوقي، في المقطع المتعلق بالعمى الباطن ونجاسات البواطن وماء العين. يُفضّل في النسخة النهائية تحديد الطبعة المعتمدة إذا أُريد إثبات رقم البيت.

3. Marcus Aurelius, Meditations, Book VIII, §51، في صورة النبع والصهريج.

4. Epictetus, Enchiridion, §1، في التمييز بين ما يقع تحت قدرتنا وما لا يقع تحتها.

5. Jean Baudrillard, The Consumer Society: Its Myths and Structures, 1970، في تحليله للاستهلاك والعلامات والمكانة الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img