الحكواتية والكاتبة/ ثمنة الجندل
كنتُ جالسة أتفرج على البرامج التلفزيونية الخريفية لهذا العام، حين لفت انتباهي شيء ربما يمر عليه المشاهد سريعًا، لكنه بالنسبة لي كان حكاية كاملة.
كانت هناك فواصل بين البرامج، ولوحات تعبيرية تظهر وتختفي بخفة ومهارة، تحمل تفاصيل من فنون الخياطة والتطريز الظفارية، وتستحضر ألوان الثوب ونقوشه وغرزه. لم أرَ فيها مجرد فواصل تلفزيونية جميلة، وإنما رأيت بابًا صغيرًا فتحته الشاشة على ذاكرة بعيدة.
تذكرت أيام مخيمات الأسرة في سهل أتين وريْسوت وغيرها من أماكن ظفار التي كانت في موسم الخريف تتحول إلى عالم آخر.
لم تكن المخيمات أكثر أماكن للنزهة وقضاء أيام الخريف. كانت تجمعات للأسرة، تقام فيها الأنشطة والفعاليات، ويلتقي فيها الصغار بالكبار، ويتعلم فيها الأبناء من تجارب النساء والرجال.
أما الفتاة، فكانت لها حكاية خاصة.
كانت النساء الكبيرات في الأسرة بمثابة مدرسة اجتماعية مفتوحة؛ ينقلن إليها ما تعلمنه من الحياة، ويخبرنها كيف تهتم بنفسها، وكيف تعامل من حولها، وكيف تتحمل مسؤوليتها، وكيف تستعد لتكون زوجة وربة منزل.
وإذا كانت الفتاة مقبلة على الزواج، اجتمعت حولها النساء، وكل واحدة تحكي لها شيئًا من تجربتها؛ نصيحة، أو حكاية عن حياتها وحياة غيرها. فتتعلم الفتاة من تجارب من سبقنها قبل أن تبدأ تجربتها الخاصة.
بل إن المخيم كان أحيانًا بداية حكاية الزواج نفسها.
قد تعجب والدة شاب بفتاة أعجبتها أخلاقًا وتربية، فتضعها في ذاكرتها، وربما وربما تخطبها لإبنها فى المستقبل.
وهكذا كانت مخيمات الخريف فضاءً تتقاطع فيه الحكايات: حكاية الأسرة، وحكاية الفتاة، وحكاية الزواج، وحكاية الحرفة.
ومن أهم ما كانت النساء ينقلنه إلى الفتيات فنون الخياطة والتطريز الظفارية الأصيلة.
فالمرأة في ظفار لم تكن تخيط الثوب لمجرد أن ترتديه، وإنما كانت تحيك فيه جزءًا من بيئتها وذاكرتها وذوقها.
كانت الألوان والخيوط تحاكي طبيعة ظفار وحيوية مواسمها.
تبدأ الفتاة بتعلم خياطة الثوب الظفاري” أبو ذيل”سواء بالماكينة أو بالإبرة والخيط، ثم تتدرب على تفاصيله الدقيقة. ومن بينها «السنجاف»، وهو شريط مكوّن من أربعة أو خمسة خيوط ملونة، منها الأحمر والأخضر والأبيض والأصفر والأزرق، يحيط بأسفل الثوب الظفاري.
ثم يأتي «التقطيع»، وهو شريط أبيض مقصقص على هيئة أسنان مثلثة صغيرة، يمنح أطراف الثوب شكله المميز.
وفي فتحة صدر الثوب المربعة، أو «الفَقَر»، تتفنن المرأة الظفارية في التطريز اليدوي، فتستخدم السنجاف والتقطيع، ثم تضيف خيوط «الزري» الذهبية والفضية.
ولا تتوقف الحكاية عند جمال العين.
فعلى أسفل الفَقَر، وعلى الكتفين والأردان، توضع «الكويسة»، وجمعها «كويسييت» وهي كيس صغير ملتصق بالثوب، له فتحة تملأ بالهيل والقرنفل والمسك، فتفوح منه رائحة زكية مع حركة المرأة.
وكأن الثوب الظفاري لا يُرى فقط، بل يُشم أيضًا.
أما «البخية»، فلها مكانتها الخاصة؛ فهي غرز مستقيمة ومتتالية وطولية بخيوط متناغمة الألوان، تثبت الثوب وتحافظ على استقامته أثناء الحركة، وفي الوقت نفسه تمنحه جمالًا وترتيبًا وتفردًا.
ولهذا أصبحت نقوش «البخية» واحدة من أبرز ملامح الهوية البصرية لفنون التطريز الظفارية.
ومن الثوب انتقلت البخية إلى المكان.
فقد استخدمتها المرأة في صناعة وتزيين قطع ديكور فنية وأكسسوارات خاصة بغرفة العريس. ومن أهمها «الدائر»، وهو قطعة قماش مقسمة إلى أقسام هندسية متوازية، يسمى كل قسم منها «سير»، وتحيط بمقدمة السرير، وتثبت أجزاؤها بغرزة البخية الدقيقة، إلى جانب النقوش والتطريز والتقطيع.
وهناك «الشبيحة»، وهي قطعة أصغر تشبه الدائر، تستخدم لتزيين أعلى الباب والنافذة.
كما كانت الخيمة ( الناموسية)، من أهم قطع الديكور في غرفة العريس قديمًا. وكانت تصنع من قماش شاش خفيف أزرق اللون يتدلى من السقف لحماية السرير من البعوض والحشرات، ثم تزين بغرز البخية وألوان الخيوط التي تعكس أصالة الحرفة وجمال البيئة.
وتأتي «العصابة» التي تشبه الدائر في نقوشها وتطريزاتها، لكنها أقل عرضًا، وتعلق أعلى الخيمة.
حتى «التكية» التي يتكئ عليها الناس، كان لها نصيب من هذا الفن، فتزين بالتشكيلات الهندسية والتطريزية مثل ” الدائر” وتوضع فوقها وسادة مثلثة الشكل تسمى «سمبوسة».
وهنا يتضح أن المرأة الظفارية لم تكن تصنع قطعة جميلة فحسب؛ كانت تصنع شيئًا يجمع بين الوظيفة والجمال والهوية.
فجمال الثوب لا يكتمل إلا بتفاصيله، وجمال غرفة العريس لا يكتمل إلا بقطعها المتناغمة، والحكاية التراثية نفسها لا تكتمل من دون تفاصيلها الصغيرة.
والأجمل أن هذه القطع لم تكن تُنجز دائمًا بيد امرأة واحدة.
كانت نساء المخيم يتعاونّ في صناعتها؛ تتوزع الخياطة بينهن، فتقوم إحداهن بغرزة، وأخرى بتفصيل، وثالثة بالتطريز، حتى تكتمل القطعة.
ثم تقدم للعروس هدية «محوشة».
وهذه الكلمة تحمل حكاية اجتماعية جميلة؛ فالعروس قديمًا كانت توفر جزءًا كبيرًا من متطلبات منزلها، وكانت نساء الأسرة يساعدنها بما يملكن من وقت وخبرة وحرفة ومحبة.
لهذا، عندما شاهدت تلك الفواصل التلفزيونية، لم أرَ مجرد «بخية» و«سنجاف» و«تقطيع» و«زري».
رأيت أيدي النساء.
رأيت المخيم.
رأيت الفتيات وهن يتعلمن.
رأيت النساء الكبيرات وهن ينقلن خبرتهن إلى الجيل الجديد.
ورأيت ثوبًا يُخاط، وغرفة عريس تُجهز، وهدية «محوشة» تُقدم لعروس، ورأيت مجتمعًا كاملًا يتعاون حتى تكتمل قطعة واحدة.
وهنا تكمن قيمة تلك الفواصل واللوحات التعبيرية؛ فقد استطاعت أن تحول عناصر من التراث غير المادي إلى لغة بصرية رقمية معاصرة، وتبرز خصوصية المكان والإنسان دون أن تفقد روح الحرفة.
فموسم الخريف في ظفار ليس ضبابًا ومطرًا واخضرارًا وطقسًا جميلًا فحسب.
الخريف ثقافة ممتدة.
هو حكايات، وأزياء، وخياطة، وتطريز، وعادات، وذاكرة أسرية، ومخيمات كانت ذات يوم مدارس اجتماعية مفتوحة، تعلم الفتاة وتنقل إليها خبرة النساء وتجاربهن.
ولذلك، عندما تظهر تلك التفاصيل الصغيرة على الشاشة، لا ينبغي أن نراها مجرد زينة عابرة بين برنامج وآخر.
فربما كانت «البخية» التي تمر أمام أعيننا في ثوانٍ تحمل وراءها حكاية امرأة ظفارية قضت ساعات طويلة وهي تخيطها، وحكاية فتاة تعلمتها من أمها أو جدتها، وحكاية مخيم اجتمعت فيه نساء الأسرة، وحكاية عروس انتظرت أن تكتمل «محوشَتها».
وربما كانت تلك الثواني القليلة تقول لنا شيئًا أكبر:
إن التراث حين نفهمه جيدًا، لا يبقى في الماضي؛ بل يستطيع أن يحكي نفسه بلغة الحاضر، وأن يجد طريقه إلى الشاشة، وإلى ذاكرة الأجيال الجديدة.
وهكذا حكت لنا الخياطة حكاية الخريف…
التى تمتد بخيوطها الملونة بين الماضي والحاضر، وتحفظ لنا شيئًا من ذاكرة وحكايات، وفنون، وذوق، وثقافة، وتراث المرأة العمانية فى ظفار.


