حين تكتشف أن الصوت الذي في داخلك… ليس صوتك
بقلم: أحمد الحضرمي
انتهى المقال السابق بسؤال بسيط في ظاهره:
من قال إننا نحن من نسمّي ما يحدث في داخلنا؟
جرّب هذا الآن.
فكّر في طفل صغير، في لحظته الأولى وهو يقع أرضًا ويبكي.
الطفل لا يعرف بعد أن هذا “خوف”.
ولا يعرف أن هذا “ضعف”.
ولا يعرف أن عليه أن يتوقف عن البكاء لأن “الرجال لا يبكون”.
هو فقط… يشعر.
ثم يأتي صوت من الخارج.
“لا بأس، كن قويًا.”
أو: “عيب، الأولاد الكبار لا يبكون هكذا.”
أو: “تعال، أنا هنا.”
ثلاث جمل. ثلاثة أطفال مختلفين تمامًا بعد عشرين سنة.
لم يتغير ما شعر به الطفل في تلك اللحظة.
الذي تغيّر هو الاسم الذي أُلصق بشعوره.
الجملة التي لم تكتبها بنفسك
نعود إلى الجملة التي بدأنا بها في المقال الأول:
أنا هكذا.
طرحنا وقتها سؤالًا عن مصدرها الداخلي: هل هي خوف متنكر في زي حكمة؟ هل هي كبرياء متنكر في زي كرامة؟
لكننا لم نطرح السؤال الأسبق:
من علّمك أصلًا أن تصف نفسك بالجمل؟
من علّمك أن هناك صفة اسمها “حساس”، وأخرى اسمها “قوي”، وثالثة اسمها “غريب الأطوار”؟
لم تخترع هذه الكلمات.
ولم تخترع الحدود بينها.
وجدتها جاهزة، معلّقة في الهواء من حولك، قبل أن تعرف أنك ستحتاجها يومًا لتصف بها نفسك.
هناك من درس هذا بدقة شديدة.
لم يسأل: ما الذي بداخل الإنسان؟
سأل سؤالًا أخطر: كيف يتكوّن “الداخل” أصلًا؟
جورج هربرت ميد، عالم الاجتماع الأمريكي، وضع فكرة بسيطة الشكل ومربكة الأثر: الذات لا تولد كاملة ثم تخرج لتتفاعل مع المجتمع. الذات تتكوّن من التفاعل نفسه. الطفل يتعلم من يكون عبر تعلّمه كيف يراه الآخرون، وكيف يتوقع استجاباتهم، وكيف يأخذ “دور الآخر” في ذهنه قبل أن يتصرف.
بصيغة أخرى: أنت لم تكتشف نفسك في عزلة ثم تعرّفت على العالم.
تعرّفت على العالم، فتشكّلت نفسك.
المسرح الذي لم تختر أن تقف عليه
لكن الأمر لا يتوقف عند الطفولة.
فكّر في يومك أمس.
كيف كنت في الاجتماع مع مديرك؟
وكيف كنت مع أصدقائك بعده بساعة؟
وكيف كنت وحدك في السيارة، حين ظننت أن لا أحد يراك؟
ثلاثة أشخاص. اسم واحد.
هل أحدهم هو “أنت الحقيقي” والباقي أقنعة؟
أم أن هذا السؤال نفسه خاطئ؟
عالم اجتماع آخر، إرفنغ غوفمان، رفض الفخ الذي وقعنا فيه للتو. لم يقل إن هناك “أنت حقيقي” خلف الكواليس و”أنت مزيف” على الخشبة. قال شيئًا أكثر إزعاجًا: الحياة الاجتماعية نفسها أداء. لسنا نمثّل أحيانًا ونصدق أحيانًا. نحن ندير الانطباع الذي نتركه دائمًا، في كل موقف، أمام كل جمهور مختلف.
هذا لا يجعلك كاذبًا.
يجعلك… إنسانًا يعيش داخل مسارح متعددة، ونسي متى صعد إلى أولها.
والسؤال الذي يهمنا هنا ليس: هل هذا صحيح؟
بل: ماذا يحدث حين ننسى أننا نؤدي؟
حين يتحول “الأب الذي يجب ألا يضعف” من دور إلى هوية.
حين يتحول “الموظف المثالي الذي لا يقول لا” من قناع إلى قفص.
حين يتحول “الرجل القوي الذي لا يحتاج أحدًا” من عبارة سمعتها مرة إلى الطريقة الوحيدة التي تعرف بها نفسك.
في المقال الأول سألنا: ماذا لو كان الاسم الذي نطلقه على شعورنا خاطئًا؟
الآن نسأل سؤالًا أعمق: ماذا لو لم يكن الاسم اسمنا من الأساس؟
حين يتحول الوصف إلى حكم
وهنا ندخل إلى الطبقة الأخطر في هذا المقال.
تخيّل جملتين:
“لقد فعلتُ شيئًا خاطئًا.”
و: “أنا شخص سيئ.”
تبدوان متقاربتين. ليستا كذلك أبدًا.
الأولى تصف فعلًا وقع في لحظة، يمكن إصلاحه، يمكن الاعتذار عنه، يمكن أن ينتهي.
الثانية تصف كائنًا. لا نهاية لها. لا إصلاح فيها. هي هوية كاملة تُبنى حول خطأ واحد، أو صفة واحدة، أو وصمة واحدة يلصقها بك آخرون ثم تلصقها أنت بنفسك.
هذا ما تُعرف دراسته في علم الاجتماع بنظرية الوصم — وهي دراسة كيف لا يكتفي المجتمع بوصف سلوكك، بل يمنحك أحيانًا هوية كاملة بسببه، حتى تبدأ أنت في رؤية نفسك من خلال تلك الهوية، لا من خلال ما فعلته فعلًا. (انظر الهامش المرجعي أدناه)
والسؤال الذي يستحق أن يقلقك الآن ليس: هل وُصمتُ يومًا؟
كل إنسان وُصم بشيء، ولو صغيرًا.
السؤال هو: كم من “أنا هكذا” التي تحملها اليوم كانت في الأصل… وصمة قررتَ أن تتبناها؟
الفجوة التي لم نسمِّها بعد
فلنجمع الخيوط.
في المقال الأول، اكتشفنا أن الشيء الذي بداخلنا قد يحمل اسمًا خاطئًا: نسمي الخوف حذرًا، ونسمي التملك حبًا.
الآن نكتشف شيئًا أعمق: حتى حين يكون الاسم “صحيحًا”، فقد لا يكون اسمك أنت. قد يكون اسمًا ورثته من أب قاله لك مرة وأنت في السابعة. أو من معلّم صنّفك بكلمة عابرة. أو من مجتمع احتاج أن يضعك في خانة كي يفهمك.
وهنا تظهر فجوة لم نتحدث عنها بعد.
بين الشخص الذي تعيشه في صمتك، حين لا يراك أحد.
والشخص الذي اضطررت أن تصبحه كي يقبلك من حولك.
جزء كبير من التعب الذي نحمله، دون أن نفهم مصدره، قد لا يكون تعب “صراع داخلي” بالمعنى الصوفي الذي بدأنا به.
قد يكون ببساطة: المسافة بين الاثنين.
لكن يبقى سؤال لم نلمسه بعد، وهو أخطر مما سبق كله.
قلنا إن المجتمع يمنحنا الأسماء.
وقلنا إن الأدوار قد تتحول إلى هوية.
وقلنا إن الوصمة قد تتحول إلى حكم دائم.
لكن من قرر أصلًا ما هو “الطبيعي” وما هو “المنحرف”؟ من رسم الخط الذي إذا تجاوزته وُصمت، وإذا بقيت خلفه اعتُبرت سويًا؟
هذا سؤال لا يجيب عنه ميد ولا غوفمان.
هذا سؤال عن السلطة نفسها.
وهو ما سنفتحه في المقال القادم.
المراجع
1. George Herbert Mead, Mind, Self, and Society: From the Standpoint of a Social Behaviorist, 1934، في نشأة الذات عبر التفاعل الاجتماعي وأخذ دور الآخر.
2. Erving Goffman, The Presentation of Self in Everyday Life, 1959، في تحليل الحياة الاجتماعية بوصفها أداءً وإدارة انطباع.
3. نظرية الوصم (Labeling Theory / Stigma): جذورها عند Howard Becker, Outsiders: Studies in the Sociology of Deviance, 1963، وطُوّرت لاحقًا عند Erving Goffman في Stigma: Notes on the Management of Spoiled Identity, 1963. يُنصح عند الاستشهاد بالفكرة بالتمييز بين الإسنادين، إذ يخلط كثير من الكتابة الشائعة بينهما.


