التشكيلية العُمانية نادية البلوشية: الفنُّ أحد مكونات الهوية الوطنية، ووسيلة للحفاظ على الذاكرة الثقافية

نشرت :

مسقط : العمانية

ترى الفنانة التشكيلية العمانية نادية البلوشية تطورًا ملحوظًا عند حديثها وقراءتها للتحولات التي شهدتها الحركة التشكيلية العمانية على مدى رحلتها الفنية التي امتدت عبر المشاركة في العديد من المعارض والملتقيات داخل سلطنة عُمان وخارجها، سواء على مستوى جودة التجارب الفنية أو تنوع المدارس والأساليب، أو من حيث حضور الفنان العُماني في المحافل الإقليمية والدولية، بالرغم من أن الفرص في البدايات كانت محدودة نسبيًّا. أما اليوم، فأصبحت هناك منصات أكثر تنوعًا للعرض والمشاركة، إلى جانب ازدياد المبادرات الثقافية والفنية التي تسهم في اكتشاف المواهب وصقلها.

وقالت نادية بنت جمعة البلوشية: إن هناك وعيًا مجتمعيًّا تطور بصورة إيجابية في سياق الفن التشكيلي، فالجمهور أكثر تفاعلًا، وسقف الاقتناء لنتاجات هذا الفن أصبح عاليًا، كونه جزءًا حقيقيًّا من الهوية الثقافية الوطنية وأداة للحوار والتعبير.

مشيرة إلى إن تجربة الفنان في سلطنة عُمان أصبحت أكثر انفتاحًا على العالم، من خلال المنصات الرقمية ووسائل التواصل الحديثة، التي أتاحت الفرص للتواصل مع التجارب الفنية من خارج الإطار الجغرافي المحلي في ملتقيات ومعارض دولية. إضافة إلى الحرص على توظيف الموروث الثقافي الفكري العُماني وإعادة تقديمه برؤية معاصرة مغايرة، وهو ما يلمس كأحد أهم ملامح تطور الفن التشكيلي على المستوى المحلي، وأن المرحلة المقبلة -وفق تعبيرها- تتطلب مواصلة الاستثمار في الفنان التشكيلي العُماني، من خلال محفزات ذات دلالات فنية حقيقية تتمثل في التبادل الثقافي والدعم المؤسسي، بما يعزز الحضور الإقليمي والدولي للفنان، ويمنحه مساحة واسعة للإبداع والابتكار، مع أهمية الحفاظ على كل ما من شأنه أن يوجد خصوصية للهوية العمانية التي تميز أعماله التشكيلية.

ووقفت الفنانة التشكيلية في حديثها عند الهوية العمانية وما تحمله من تاريخ، ومكان، وتنوع جغرافي في كثير من التجارب التشكيلية على المستوى المحلي، مع انعكاس هذا الثراء على أعمالها الفنية، وقالت إن الهوية منبعًا لا ينضب للإلهام، فهي منظومة من التكامل في التاريخ والذاكرة والإنسان والمكان الذي يحيط به، -ووفق تعبيرها- أن أعمالها تستلهم تفاصيل البيئة العمانية بكل تنوعها؛ بدءًا من البحر ومرورًا بالجبل والصحراء، إلى العمارة التقليدية وأبوابها العمانية العتيقة، والزخارف، والأزياء، والألوان، التي تشكل انعكاسًا لخصوصية المكان وروحه.

وأضافت: "لا أنقل هذه العناصر كما هي، بل أعيد صياغتها برؤية معاصرة تمنحها الأبعاد الإنسانية والجمالية التي تتجاوز حدود التوثيق".

وأكدت أن قوة الهوية تكمن عادة في قدرتها على مخاطبة المتلقي بلغة الفن. فكلما كان الفنان أكثر توافقًا وصدقًا مع بيئته وثقافته، كانت أعماله أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور المحلي وحتى العالمي، كون القيم الإنسانية المشتركة تمنح العمل الفني استمراريته.

وترى أن استلهام المكان هو نقطة انطلاق نحو فضاءات أكثر اتساعًا، وهنا تتحول التفاصيل المحلية إلى لغة بصرية أكثر انفتاحًا يفهمها ويتفاعل معها المتلقي أينما كان، فالفنان الحقيقي لا يحمل المكان في كونه حدودًا، بل جذورًا.

وحول ارتباط الحركة التشكيلية العمانية خلال العقود الماضية ببناء مشهد ثقافي متنام بمشاركة فنانين محليين عبر معارض وملتقيات ومبادرات مختلفة ودور الفنان التشكيلي في صناعة هذا المشهد، لفتت إلى أن الفنان التشكيلي ليس مجرد منتج للعمل الفني، بل يسهم في صناعة المشهد الثقافي وصياغة الوعي الجمالي للمجتمع. وأن الحركة التشكيلية في سلطنة عُمان كانت ثمرة عمل تراكمي وتجارب لفنانين أكدوا على رسالتهم الفنية، وأسهموا بشكل حقيقي من خلال معارضهم ومشاركاتهم ومبادراتهم في ترسيخ المكانة الفنية داخل المجتمع التشكيلي المحلي.

مضيفة: "خلال مسيرتي الفنية، حرصت على أن تكون مشاركاتي داخل سلطنة عُمان وخارجها نافذة تعكس ثراء الثقافة العمانية، وأن أقدم أعمالًا تنطلق من هويتنا المحلية برؤية معاصرة قادرة على التواصل مع مختلف الثقافات. تحقيقًا بوعيي الداخلي أن الفنان يمثل وطنه، ويحمل مسؤولية تقديم صورة مشرقة عن الإرث الحضاري والإنساني الذي ينتمي إليه، فمسؤوليته لا تقتصر على إنتاج أعمال ذات قيمة جمالية، بل تمتد إلى نشر ثقافة الفن، وتشجيع الأجيال على الإبداع، والمشاركة في المبادرات التي تعزز الوعي بأهمية الفنون في بناء الإنسان والمجتمع".

وبينت أن الفن ليس ترفًا، بل أحد مكونات الهوية الوطنية، ووسيلة للحفاظ على الذاكرة الثقافية، وتعزيز الحوار، وترسيخ قيم الانتماء والانفتاح في آنٍ واحد.

وأوضحت الفنانة التشكيلية نادية البلوشي أن مشاركتها في المعارض والملتقيات العربية والدولية قد شكلت محطات مهمة في مسيرتها الفنية، كونها كانت مساحة للحوار الثقافي وتبادل الخبرات مع فنانين من مختلف أنحاء العالم.

وأشارت: "في كل مشاركة دولية أشعر بأنني أمثل سلطنة عُمان بقدر ما أمثل تجربتي الشخصية، وكنت حريصة على أن تعكس أعمالي ملامح الهوية العمانية بروح معاصرة، تُبرز ثراء ثقافتنا وتنوعها"، وأن الفن التشكيلي العُماني قادر على الحضور والمنافسة في المحافل الدولية. وقد لمست اهتمامًا كبيرًا من الجمهور والفنانين بالتجربة التشكيلية العمانية، كونها تحمل خصوصية مستمدة من الإنسان وبيئته وتاريخه، مع انفتاحها على الأساليب الفنية الحديثة. ما يؤكد أن العمل الفني، المنطلق من هويته، يمتلك القدرة على تجاوز الحدود الجغرافية والوصول إلى المتلقي أينما كان" وعلى المستوى الشخصي، أتاحت لي هذه المشاركات الاطلاع على مدارس فنية متنوعة، وأساليب مختلفة في التعبير والتقنيات، ووسّعت رؤيتي للفن كونه لغة إنسانية مشتركة تتجاوز اختلاف الثقافات واللغات. كما عززت لدي قناعة بأن الفنان يتطور من خلال الحوار والتفاعل المستمر مع الآخرين، دون أن يفقد خصوصيته أو يتخلى عن جذوره".

وفيما يتعلق بالفن التشكيلي كونه لغة تتجاوز الكلمات والحدود؛ تذكر: "عادة ما يصنع الفن وعيًا، فهو يطرح الأسئلة الجديدة، كما يؤثر في نظرة الإنسان إلى ذاته ومجتمعه، بعيدًا عن التفاسير المباشرة، فالفن التشكيلي يمتلك القدرة الاستثنائية على مخاطبة ذات الإنسان بلغة تتجاوز الكلمات، فهو يفتح مساحات للتأمل والتساؤل، ولا يفرض معنى واحدًا على المتلقي، بل يدعوه إلى المشاركة في اكتشاف المعنى، متكئًا على خبراته ومشاعره ورؤيته الخاصة".

وقالت: "أحرص في أعمالي على أن تكون اللوحة مساحة للحوار، لا مجرد مشهد بصري عابر. فالألوان، والخطوط، والرموز، والتكوينات توجد رسائل قد تختلف من شخص إلى آخر في تفسيرها، هذا الاختلاف يمنح العمل الفني حياة جديدة واستمرارية أيضًا. فكل متلق يرى في العمل جزءًا من ذاته، ويعيد قراءته وفق تجربته مع الحياة والتفاصيل حوله وهنا تكمن قوة الفن وتأثيره. كما أرى أن الفن يسهم في بناء الوعي من خلال قدرته على التفاعل المباشر مع القضايا الإنسانية والاجتماعية والثقافية بأسلوب غير مباشر، فهو بلا شك محط تحفيز للتفكير ولا يوجّه الأحكام. ولطالما دفع الإنسان إلى إعادة النظر في علاقته بمكانه وهويته وذاكرته والطبيعة من حوله ويمنحه فرصة للتأمل بعيدًا عن صخب الحياة اليومية واكتظاظ مجرياتها".

وأوضحت: في عالمنا الذي يتسم بسرعة التغير وتدفق الصور والمعلومات، تزداد أهمية الفن ليكون دعامة ومساحة للتأمل وإعادة للاكتشاف، فالفنان في هذا السياق لا يرسم ما تراه العين فقط، بل يعمل قدر الاستطاعة لكشف عما تشعر به الروح أيضًا، وما يغيب عن النظرة العابرة. فعندما ينجح العمل الفني في طرح الأسئلة أو التكامل مع الشعور، أو إيجاد نافذة للتفكير، فأنا أرى أنه قد أدى رسالة سعى الفنان من أجلها، كون أن قيمة الفن لا تُقاس بما يقدمه من إجابات، بل بما يتركه من أثر حقيقي في الوجدان والعقل.

في السياق ذاته تبيّن الفنانة العلاقة بين "المدارس" الفنية الواقعية والتعبيرية والتجريدية في قراءة الإنسان والحياة، وتفيد أن تعدد تلك المدارس هو أحد مصادر ثراء التجربة التشكيلية للفنان، فلكل مدرسة أسلوبها الخاص في تقديم قراءة عن الإنسان والحياة والتعبير عن المشاعر والأفكار. على سبيل المثال لا الحصر، الواقعية تنطلق من ملامسة التفاصيل اليومية ورصد الإنسان والمجتمع كما نراهما، وتحمل قدرة كبيرة على توثيق اللحظة والتعبير عن القضايا الإنسانية من خلال الصورة المباشرة. أما التعبيرية فتتجاوز الشكل الظاهري لتصل إلى العمق الداخلي للإنسان، تترجم مشاعره وانفعالاته وحالاته النفسية من خلال اللون والحركة والتكوين، فيما توجد التجريدية المساحة الأوسع لتأمل الأشياء، حيث تتحول العناصر البصرية إلى لغة قائمة بذاتها، تعتمد على الإحساس والإيقاع والرمز بعيدًا عن التشخيص المباشر.

وأضافت: "لا توجد حدود فاصلة بين هذه المدارس بقدر ما توجد سياقات وتقاطعات بينها؛ فالفنان يستلهم من الواقعية دقة الملاحظة، ومن التعبيرية قوة الشعور، ومن التجريد حرية البحث عن الفكرة وجوهرها. واختلاف الأساليب لا يعني اختلاف الهدف، فالغاية الأساسية للفن هي التعبير عن الإنسان، والكشف عن الجوانب غير المرئية من تجربته ووجوده ومشاعره، وتبقى المدارس الفنية أدوات بصرية يستخدمها الفنان ليوجد حسًّا عن رؤيته الخاصة للحياة، بينما تظل الرسالة الإنسانية للفن واحدة؛ وهي فهم الذات والبحث عن الجماليات حولنا، والتواصل مع الآخر بلغة تتجاوز الحدود التي تؤطرنا".

وأشارت الفنانة إلى مدى استطاعة الفنان على الموازنة بين الأصالة والتجديد، وبين خصوصية الهوية والانفتاح أيضًا على التجارب العالمية في ظل التحولات التقنية والثقافية المتسارعة، وقالت: "لا بد أن ندرك أن الفن التشكيلي يبقى محتفظًا بقيمته، كونه يرتبط بالإنسان قبل أي شيء آخر؛ هو يعبّر عن مشاعرنا وذاكرتنا وتجاربنا الإنسانية التي لا يمكن للتقنيات الحديثة أن تحلّ محلها. فالأدوات قد تتغير وتتطور، في الوقت نفسه تبقى حاجة الإنسان إلى التعبير والتأمل والبحث عن المعنى ثابتة، وهذا ما يمنح الفن قدرته المستمرة على التأثير والحضور. أرى أن قيمة العمل لا تكمن فقط في التقنية المستخدمة أو الأسلوب المتبع، بل في الفكرة والصدق والرؤية التي يحملها الفنان. هنا تترسخ فكرة التوازن بين الأصالة والتجديد، وهو أمر قائم على فهم الفنان لهويته وليس على الانغلاق داخلها. فالأصالة تعني امتلاك جذور واضحة ينطلق منها الفنان نحو آفاق أكثر تجددًا وانفتاحًا. كما أن الانفتاح على التجارب الفنية المختلفة لا يعني فقدان الخصوصية التي تجسد روح الفنان والفنان، بل يمثل فرصة للتطور وتوسيع الرؤية".

وتطرقت الفنانة التشكيلية نادية البلوشية إلى الفن كونه يمتد إلى بناء الذائقة وتنمية الخيال وتعزيز الحوار بين الثقافات مرورًا بتشكيل وعي الأجيال وصناعة مستقبل أكثر انفتاحًا وإبداعًا وقالت: العمل التشكيلي لا يقتصر تأثيره على اللحظة التي يُشاهد فيها، بل هناك امتداد يترك أثرًا في طريقة تفكير المتلقي، وقدرته على التأمل، وقراءته للتفاصيل من حوله، ورؤية العالم من زوايا مغايرة. إن تنمية الذائقة الفنية لدى المجتمع تبدأ من تعزيز علاقة الإنسان بالفن منذ المراحل المبكرة الأولى، كون الفن أيضًا يفتح مساحة للخيال والابتكار، ويشجع على التعبير الحر واحترام التنوع والاختلاف.

وأضافت: "من وجهة نظري، يقع على عاتق الفنان دور مهم في التأثير الإيجابي في الأجيال الجديدة، وذلك من خلال حضوره ومشاركته في نشر الثقافة الفنية، ودعم المواهب الشابة، والإسهام في جعل الفن جزءًا من الحياة اليومية للمجتمع. فالفنان هو شاهد على عصره، وذاكرة بصرية تنقل قيم المجتمع وتطلعاته بأسلوب إبداعي".

الجدير بالذكر أن الفنانة التشكيلية العمانية نادية البلوشية تميزت في مجالي الرسم والتصوير، حيث تنقلت فنيًّا بين الواقعية والتعبيرية والتجريدية، مقدمة تجربة ثرية امتدت لعقود. وشاركت في عشرات المعارض والملتقيات المحلية والدولية التي مثّلت فيها سلطنة عُمان على المستوى الخارجي.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img