حين تكشف الحرب حدود القوة… هل بدأت المنطقة تمسك بخيوطها؟

نشرت :

أحمد الفقيه العجيلي

من يتابع ما يجري في العالم خلال السنوات الأخيرة، يصعب عليه ألا يلاحظ أن الخرائط الجيوسياسية تتحرك بسرعة لافتة.
وما كان يحتاج في السابق إلى سنوات حتى تتضح ملامحه، أصبح اليوم يتغير خلال أشهر، وأحيانًا أسابيع.
لذلك قد يكون من المبكر أن نتنبأ بشكل العالم عند نهاية هذا العقد، لكن من الصعب تجاهل أن كثيرًا من القواعد التي اعتدناها لم تعد تعمل بالطريقة نفسها.

والحرب الدائرة حول إيران تقدم مثالًا واضحًا على ذلك.

من السهل النظر إلى المشهد باعتباره مواجهة بين قوة أمريكية هائلة وإيران تحاول الصمود أمامها، لكن هذه القراءة لا تكفي وحدها. فالولايات المتحدة تملك قدرة عسكرية هائلة، وتستطيع إلحاق أضرار كبيرة بخصمها، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تحدد وحدها ما سيأتي بعد ذلك.

وهنا تكمن المفارقة.

القوة تستطيع أن تحسم معركة، لكنها لا تضمن وحدها شكل النهاية.

وهذا ما أثبتته تجارب كثيرة من قبل.
فإسقاط نظام أو تدمير قدرات عسكرية لا يعني امتلاك المستقبل، لأن ما بعد الحرب تحكمه حسابات أخرى: الخصوم والحلفاء، الاقتصاد والطاقة، الممرات البحرية، والقدرة على احتواء تداعيات الصراع.

ومن هنا، فإن السؤال الأهم في الحرب الحالية ليس فقط: ماذا خسرت إيران؟
وإنما أيضًا: كيف غيّرت هذه الحرب حسابات الآخرين؟

إيران ما زالت تملك أوراقًا مؤثرة، من موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية إلى مضيق هرمز وعلاقاتها الإقليمية.
لكنها، مثل خصومها، تدرك أن امتلاك الورقة لا يعني القدرة على استخدامها بلا ثمن.

ويبدو مضيق هرمز أوضح مثال على ذلك.

فالمضيق ورقة استراتيجية مهمة بالنسبة إلى إيران، لكنه في الوقت نفسه ورقة لا يمكن التعامل معها بمعزل عن العالم.
أي اضطراب واسع في الملاحة لن يصيب خصوم إيران وحدهم، بل سيمتد أثره إلى دول المنطقة وأسواق الطاقة والتجارة الدولية.

وهنا برز الدور العُماني بصورة لافتة.

ففي 25 أغسطس صدر بيان عُماني–إيراني مشترك أعلن أن الجانبين يناقشان إطارًا مرحليًا يمكن أن يوفر أساسًا عمليًا لاستئناف الملاحة الآمنة عبر مضيق هرمز، يتضمن إنشاء ممر ملاحي مؤقت مشترك، إلى جانب مشروع مشترك لإزالة الألغام.
كما تستمر المباحثات لبحث ممر دائم وآلية مستقبلية لإدارة الملاحة وتبادل المعلومات وحركة السفن، مع التأكيد على أهمية إشراك الدول المطلة على الخليج.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن المسألة لم تعد مجرد وساطة أو تبادل رسائل، وإنما دخلت مرحلة البحث في ترتيبات عملية لإدارة الملاحة.

وهذا تحديدًا ما يجعل الدور العُماني مهمًا. فمسقط لا تتعامل مع ملف ثنائي محدود، وإنما تتحرك في قضية تتصل بأمن ممر بحري يؤثر في المنطقة والاقتصاد العالمي معًا. وإذا نجحت هذه الجهود، فإن أهميتها لن تكون في عودة السفن إلى المرور فحسب، بل في أن دولة من المنطقة استطاعت أن تساهم في إدارة أزمة تتجاوز حدودها.

لكن الحرب لم تعد حرب صواريخ وطائرات فقط.

ففي 24 أغسطس انتقلت واشنطن إلى مستوى جديد من الضغط الاقتصادي، بإطلاق حملة عقوبات واسعة تستهدف ما تصفه الإدارة الأمريكية بالشرايين الاقتصادية المتبقية التي تدعم إيران، وتشمل قطاعات النفط والشحن والطيران والذهب والتكنولوجيا والأصول الرقمية، مع توسيع مخاطر العقوبات الثانوية على المتعاملين مع طهران.

وهكذا أصبحت أدوات الصراع أوسع من السلاح: اقتصاد، وطاقة، وممرات، وشبكات مالية. وكلما اتسعت ساحات الصراع وأدواته، أصبح التحكم في نتائجه أكثر صعوبة.

لكن المشكلة أن الحرب لم تبقَ في ساحة واحدة.

ففي غزة، لا تزال الهدنة هشة مع استمرار الضربات والتوتر حول تنفيذ الترتيبات، بينما تتزامن هذه التطورات مع ما يجري في إيران وهرمز.
وفي سوريا ظهر تطور آخر لا يقل دلالة؛ إذ أعلنت قوات سوريا الديمقراطية إنهاء مهمتها وحلها كقوة عسكرية مستقلة بعد استكمال دمج قواتها في الجيش السوري، في خطوة تمثل مرحلة جديدة في إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية.

قد لا تبدو هذه الملفات مرتبطة مباشرة بحرب إيران، لكنها تكشف حقيقة أوسع: المنطقة لم تعد أمام أزمة واحدة يمكن لطرف واحد أن يديرها منفردًا، وإنما أمام مجموعة من الأزمات التي تتقاطع فيها المصالح وتؤثر إحداها في الأخرى.

ومن هنا يمكن فهم التحركات الإقليمية التي ظهرت خلال الفترة الأخيرة.

فالاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، الذي تناولناه في مقال مستقل، لم يعد مجرد حدث منفصل عن السياق العام.
فقد بدأت تظهر مؤشرات على احتمال اتساع دائرته، مع إعلان بنغلاديش أنها تنظر بإيجابية إلى فكرة المشاركة.

وبصرف النظر عن مآلات هذه الخطوة، فإنها تضيف مؤشرًا آخر إلى أن بعض دول المنطقة بدأت تبحث عن ترتيبات أمنية جديدة، ولا تريد أن تترك حماية مصالحها بالكامل للقوى الخارجية.

ولعل هذا هو التغير الأهم.

لسنا أمام منظومة أمن إقليمية مكتملة، ولا أمام نهاية النفوذ الأمريكي، كما أن الحديث عن محور جديد يحل محل المحاور القديمة سيكون مبالغة.
لكننا أمام شيء أكثر هدوءًا وأهمية: اتساع مساحة الحركة أمام دول المنطقة.

عُمان تتحرك في هرمز.

ودول أخرى تعيد ترتيب حساباتها الأمنية.

وقد لا تعمل هذه الدول ضمن مشروع واحد، لكنها تلتقي عند حاجة واحدة: منع الأزمات من أن تتحول إلى فوضى مفتوحة لا يستطيع أحد التحكم في مسارها.

وهنا تعود فكرة «فريق الإطفاء» التي تحدثنا عنها سابقًا.
ليس بمعنى تحالف رسمي أو غرفة عمليات مشتركة، وإنما باعتبارها مجموعة من الأدوار الإقليمية التي يمكن أن تتكامل عند الأزمات: دولة تملك الوساطة، وأخرى تملك الثقل السياسي، وثالثة تملك القوة، ورابعة تملك موقعًا جغرافيًا أو قنوات اتصال لا يملكها غيرها.

وهذا يقودنا إلى السؤال الذي يطرحه عنوان المقال:

هل بدأت المنطقة تمسك بخيوطها؟

ربما لا تزال الإجابة مبكرة، لكنها لم تعد مجرد احتمال نظري.

فالولايات المتحدة ما زالت تملك القوة العسكرية والاقتصادية الأكبر، وإيران ما زالت تملك أوراقًا مؤثرة، وإسرائيل تملك قدرات عسكرية واستخباراتية واسعة.
لكن أياً من هذه القوى لا يستطيع وحده أن يتحكم في كل ما يجري.

فالقوة تستطيع أن تضرب، لكنها لا تستطيع دائمًا أن تحدد ما سيأتي بعد الضربة.

والعقوبات تستطيع أن تضغط، لكنها لا تضمن وحدها النتيجة السياسية.

والممرات البحرية يمكن أن تتحول إلى أوراق ضغط، لكنها في الوقت نفسه قد تصبح عبئًا على من يستخدمها.

أما السياسة، فتبدأ أحيانًا من القدرة على إبقاء الباب مفتوحًا عندما تبدو كل الأبواب مغلقة.

ولذلك، ربما يكون التحول الأهم الذي تكشفه هذه الحرب ليس في ميزان القوة العسكرية وحده، وإنما في من يملك القدرة على تحويل قوته وموقعه وعلاقاته إلى تأثير سياسي.

المنطقة لم تمسك بكل خيوطها بعد، وربما لا تستطيع ذلك في المستقبل القريب.

لكنها بدأت، للمرة الأولى منذ فترة طويلة، تحاول ألا تتركها كلها في أيدي الآخرين.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img