حمود بن علي الطوقي
شاءت الأقدار أن أطلب سيارة أجرة عبر تطبيق O Taxi، ولم أكن أعلم أن الرحلة القصيرة ستتحول إلى حكاية طويلة تختزن في طياتها شيئًا من واقع بعض شبابنا.
كعادة الزبائن، يبدأ الحديث خفيفًا: سلامٌ وسؤالٌ عن الحال. كان السائق شابًا عشرينيًا، هادئ الملامح، يحمل في صوته رضا لا يخلو من تعب. تبادلنا التعارف، فاكتشفت أنه من محافظة شمال الشرقية… وأنا من ذات المحافظة. هنا سقط الحاجز سريعًا، وصار الطريق أقصر، والكلام أصدق.
سألته عن عمله، فقال ببساطة:
“أشتغل فقط على التاكسي… بعد ما فشلت في الحصول على وظيفة. أقضي يومي في نقل الركاب، والحمد لله على كل حال.”
لم يكن في صوته شكوى، بل تسليم ممزوج بإصرار. سألته عن مساره اليومي، فقال:
“ليس لي مسار محدد… عملي حسب طلب الزبون.”
وأضاف مبتسمًا:
“كثير من الزبائن وافدون، نحاول نعرّفهم عن عُمان، عن الأماكن، عن العادات.”
عندها خطر ببالي سؤال أكبر:
أليس من الممكن أن نُؤهّل هؤلاء الشباب بدورات تدريبية ليصبحوا مرشدين سياحيين؟
هم يجوبون الطرق يوميًا، يلتقون بالناس من مختلف الجنسيات، ويملكون فرصة ذهبية ليكونوا سفراء لعُمان، لا مجرد سائقين. فالسائق الذي يعرف تاريخ المكان، ويجيد تقديم المعلومة، قد يكون جزءًا من منظومة سياحية متكاملة ترفع من جودة التجربة وتفتح له باب دخلٍ أفضل.
عدتُ إلى خالد — هكذا كان اسمه — وسألته عن يومه الطويل.
قال إنه يعمل لساعات ممتدة، وإذا تعب دخل مسجدًا قريبًا، يرتاح قليلًا ثم يعود للطريق.
سألته: “وماذا عن عملك في الليل؟”
تردد قليلًا ثم قال:
“إذا كنت في مسقط… ما عندي مكان أنام فيه. أنام في السيارة. وهذا حال كثير من الشباب اللي يشتغلوا سواق أجرة.”
كانت جملة عابرة، لكنها ثقيلة.
ملابسهم في السيارة.
الملابس المتسخة تُترك عند “الدوبي” — المغسلة.
الإفطار والغداء في المطاعم.
واليوم يمتد بلا نهاية واضحة.
ثم جاءت اللحظة التي لن أنساها.
عندما أوصلني خالد إلى المنزل، أخرجت هاتفي لأحوّل له الأجرة. ابتسم وقال:
“لا… ما آخذ المبلغ من راعي بلادي.”
جملة صادقة خرجت بعفوية، لكنها حملت شيئًا من النبل العُماني الأصيل. أصررت عليه أن يقبل المبلغ، فقبل التحويل بعد تردد.
وقبل أن يغادر قلت له مازحًا:
“بإذن الله نزوركم في وادي نام… ونحضر عرسك.”
ابتسم ابتسامة فيها حياء وأمل مؤجل، وقال:
“تشريف زيارتك… لكن العرس؟ هذا حلم ما أدري كيف سيتحقق… ونحن في هذا الوضع.”
كانت كلماته هادئة، لكنها عميقة.
ليس لأنه لا يريد الزواج، بل لأنه يحسبها بميزان الواقع: سكن غير مستقر، دخل يومي متذبذب، وحياة معلّقة بين طريق وآخر.
خالد لم يكن غاضبًا، ولم يكن ساخطًا. كان مؤمنًا بأن العمل — أي عمل — خير من الانتظار. لكن السؤال الذي بقي معي بعد أن أغلقت باب السيارة:
هل يكفي أن نقول لهم “الحمد لله على كل حال”؟
أم أن علينا أن نفتح لهم أبوابًا أوسع من مقعد السائق؟
في كل مرة نطلب فيها سيارة عبر تطبيق، قد نظن أننا في رحلة عادية. لكن خلف المقود قد تكون قصة كفاح، وبيتٌ مؤقت، وحلمٌ ينتظر فرصة.
فالطريق لا يجب أن يكون منزلًا…
بل جسرًا نحو غدٍ أكثر استقرارًا وكرامة.
وهنا لا يكفي التعاطف، بل نحتاج إلى مبادرة عملية.
نحتاج إلى التفكير الجاد في توفير وحدات سكنية ميسّرة للشباب العاملين في محافظة مسقط، خصوصًا أولئك الذين قدموا من المحافظات الأخرى سعياً للرزق. مساكن بسيطة، منظمة، برسوم مناسبة، تحفظ كرامتهم وتمنحهم الحد الأدنى من الاستقرار. فالشاب الذي يعمل طوال يومه لا ينبغي أن يختتم يومه في مقعد سيارة.
كما أن تشجيع هؤلاء الشباب على التسجيل ضمن منظومة صندوق الحماية الاجتماعية ضرورة لا رفاهية؛ لضمان تغطية تأمينية، واستقرار مستقبلي، وشعور بالأمان المهني. العمل الحر لا يعني أن يكون صاحبه خارج مظلة الحماية.
ولعل الحل لا يقع على جهة واحدة بعينها، بل يمكن أن يكون نموذجًا لشراكة وطنية متكاملة بين الجهات المعنية بالإسكان، والقطاع الخاص، وشركات التطبيقات الذكية العاملة في قطاع النقل. فهذه الشركات تعرف بيانات السائقين ومساراتهم، ويمكنها أن تكون جزءًا من مبادرات سكنية أو برامج تأهيل مهني وتأميني بالتنسيق مع الجهات المختصة. كما يمكن للمؤسسات الكبرى، ضمن مسؤوليتها الاجتماعية، أن تدعم مشاريع سكن شبابي ميسّر أو برامج ادخار وتأمين للعاملين في هذا القطاع.
خالد وأمثاله لا يطلبون امتيازات استثنائية، بل فرصة عادلة.
بيت صغير ينامون فيه بطمأنينة.
ونظام حماية يضمن لهم غدًا أقل قلقًا.
الأوطان لا تُبنى فقط بالمشاريع الكبرى،
بل حين نحرص على ألا ينام شاب يعمل بجد في سيارته…
بينما يستطيع أن ينام في بيتٍ يحفظ كرامته ويؤسس لحلمه الكبير الاستقرار .


