ما وراء المشهد
السودان الذي يجمعنا (1)
السودان قبل الدولة… هل كان هذا الوطن دولة واحدة؟
د. إسماعيل جابر
أستاذ جامعي في التاريخ | مستشار تعليم وتدريب
مقدمة منهجية
هذه السلسلة محاولة متواضعة لقراءة بعض محطات تشكّل الدولة السودانية وأزماتها من زاوية تاريخية تحليلية، بعيدًا عن الاصطفاف السياسي أو البحث عن متهم واحد. ولا تدّعي الإحاطة بتاريخ السودان أو امتلاك الإجابات النهائية؛ وإنما تحاول طرح الأسئلة وتتبع بعض التراكمات التي أسهمت في تشكيل أزماته.
وأكتبها من موقعين: كسوداني معنيّ بما آل إليه وطنه، وكأستاذ جامعي متخصص في التاريخ الأفريقي درّس تاريخ السودان. فالتاريخ أوسع من مقال، والسودان أكبر من قراءة واحدة.
حين نتحدث عن أزمة السودان اليوم، من أين نبدأ ؟ من الحرب؟ من الانقلابات؟ من الأحزاب؟ من الصراع بين المركز والأقاليم؟ أم من القبيلة والهوية والثروة؟
ربما نبدأ من سؤال أقدم :
كيف تشكل السودان؟ وهل كان هذا الوطن، بحدوده الحالية، دولة واحدة قبل ظهور الدولة السودانية الحديثة؟
السؤال يبدو بسيطًا، لكن الإجابة تحتاج إلى شيء من الحذر:
فالسودان الذي نعرفه اليوم لم يكن دائمًا بهذه الحدود، ولا بهذا الاسم، ولا بهذه الصورة السياسية.
وهذه الجغرافيا الضاربة في القدم تمتد جذور تاريخها السياسي والحضاري إلى القرون الأولى قبل الميلاد، مرورًا بكوش ومروي والممالك النوبية المسيحية والسلطنات الإسلامية، وصولًا إلى القرن التاسع عشر، حين بدأت ملامح السودان الحديث في التشكل ككيان سياسي ذي سلطة مركزية على نطاق واسع.
فقد عُرفت أجزاء من هذه الجغرافيا في المصادر المصرية القديمة بتسميات من بينها تاسيتي أي «أرض القوس»، وارتبطت مناطق واسعة منها باسم كوش، بينما استخدم بعض المؤلفين اليونان والرومان تسمية «إثيوبيا» في وصف مناطق جنوب مصر والنيل الأعلى، في سياقات جغرافية لم تكن مطابقة لمفهوم السودان الحديث، كما ارتبطت مناطق واسعة منها باسم بلاد النوبة .
وعلى امتداد هذه الجغرافيا، من كوش ومروي في العصور القديمة، مرورًا بالممالك النوبية المسيحية نوباتيا والمقرة وعلوة، ثم كيانات سياسية أخرى مثل الداجو والتنجر وتقلي والمسبعات، وسلطنات الفونج ودارفور، إلى جانب مجتمعات وكيانات سياسية متعددة في شرق السودان وجنوبه، تعاقبت تجارب سياسية وحضارية متنوعة .
ومع ذلك، لم تكن هذه الجغرافيا، في أي مرحلة تاريخية ، هي دولة واحدة بحدود السودان الحالية .
وهنا يبرز السؤال :
لماذا لم تستطع واحدة من هذه الممالك أو السلطنات أن تضم المجال الذي يشكل السودان الحالي كله في دولة واحدة؟ .
الجواب، في رأيي، يبدأ من ضرورة ألا نحاكم تلك التجارب بمفهوم الدولة القومية الحديثة .
فلم تكن هناك، في معظم تلك العصور، فكرة «السودان» بحدوده السياسية الحالية حتى تسعى مملكة ما إلى توحيده. كان لكل كيان جغرافيته ومصالحه وموارده وشبكات علاقاته، وكانت المسافات ووسائل الاتصال وطبيعة السلطة تجعل قيام دولة واحدة بهذا الاتساع أمرًا مختلفًا تمامًا عن مفهوم الدولة الحديثة .
لكن ذلك لا يعني أن هذه المجتمعات كانت معزولة عن بعضها .
فالتجارة والهجرة والحروب والطرق الصوفية والعلاقات السياسية والاقتصادية صنعت أشكالًا متعددة من التواصل بين مناطق السودان، وأسهمت في تكوين تاريخ مشترك.
لكن التاريخ المشترك لا يعني بالضرورة وجود دولة واحدة.
وهذه نقطة أساسية في فهم تاريخ السودان :
فتاريخ الممالك القديمة ليس مجهولًا؛ فقد تركت تلك الممالك آثارًا ونقوشًا ومصادر مادية ومكتوبة، وأصبحت موضوعًا لدراسات تاريخية وأثرية واسعة، وتُدرّس مراحلها ضمن تاريخ السودان في الجامعات السودانية وغيرها. وفي فترات لاحقة، خصوصًا مع قيام سلطنة الفونج وتطور سلطنة دارفور، اتسعت المادة المكتوبة التي تساعد على معرفة طبيعة السلطة والمجتمع والاقتصاد والعلاقات السياسية.
بل إن كوش نفسها بلغت مصر، وحكم ملوكها مصر في الأسرة الخامسة والعشرين .
لكن وجود حضارات وممالك قوية لا يعني أنها كانت دولة السودان الحديثة .
وهنا يجب أن ننتبه إلى خطأين متقابلين: فإذا قلنا إن الدولة السودانية بدأت ببساطة عام 1821م ، فإننا نتجاوز تاريخًا سياسيًا وحضاريًا طويلًا سبقها. وإذا قلنا إن السودان كان دولة واحدة منذ الممالك القديمة، فإننا نُسقط مفهوم الدولة الحديثة على كيانات تاريخية لم تكن تعرف السودان بحدوده السياسية الحالية .
والأدق أن نقول: إن الدولة السودانية الحديثة تشكلت فوق تاريخ أقدم منها، وفوق ممالك وسلطنات ومجتمعات كانت لكل منها تجاربها السياسية والاجتماعية الخاصة .
فمتى بدأ تشكل هذه الدولة؟
هنا تأتي سنة 1821م بوصفها محطة مفصلية؛ إذ بدأ الحكم التركي المصري في توسيع سلطة مركزية على مناطق واسعة من المجال الذي سيصبح لاحقًا السودان الحالي .
لكن الدولة الحديثة عندما جاءت لم تدخل إلى أرض فارغة .
دخلت إلى مجتمعات لها تاريخها، ونظمها المحلية، وعلاقاتها بالأرض، وأنماط إنتاجها، وقياداتها، وذاكرتها الخاصة .
وهنا ربما يبدأ السؤال الأهم من مجرد معرفة متى بدأت الدولة :
ماذا تحتاج الدولة لكي تجمع هذا التنوع في إطار سياسي مستقر؟
الدولة ليست حدودًا على الخريطة فقط . إنها مؤسسات، وقواعد تحكم العلاقة بين السلطة والمجتمع، ونظام لإدارة الأرض والموارد، وعدالة يشعر بها المواطن، ومؤسسة عسكرية وأمنية خاضعة للدولة، وعلاقة متوازنة بين المركز والأقاليم، والأهم من ذلك كله : شعور بأن الدولة تتسع للجميع .
وهنا تصبح تجربة السودان جديرة بالتأمل :
فالتحدي لم يكن أن السودان متنوع؛ فالتنوع أقدم من الدولة الحديثة نفسها .
التحدي كان: هل استطاعت الدولة الحديثة أن تحوّل هذا التنوع التاريخي إلى مشروع وطني جامع؟
أم أنها نجحت في جمع الجغرافيا أكثر مما نجحت في جمع المجتمعات؟
هذا السؤال لا يعني أن السودان كان بلا تاريخ مشترك، ولا أن الممالك والسلطنات السابقة كانت مطالبة ببناء دولة السودان الحالية .
إنما يعني أن علينا أن نفهم كيف انتقلنا من تعدد الكيانات والمجتمعات إلى دولة واحدة، وكيف تعاملت الدولة مع الاختلاف حين أصبحت مسؤولة عن إدارته .
ومن هنا يبدأ الخيط الذي سنلاحقه في هذه السلسلة .
فالحرب لم تبدأ في 2023، والانقلاب لم يبدأ في 1989، والصراع بين المركز والأقاليم لم يبدأ في دارفور، وقضايا الأرض والسلطة والثروة لم تظهر فجأة .
كل ذلك له جذور ومسارات وتراكمات .
ولهذا لن نبحث منذ البداية عن طرف نحمله المسؤولية وحده؛ سنبحث عن كيف تشكلت المشكلة أصلًا عبر التاريخ
فإذا كانت الدولة الحديثة قد ورثت مجتمعًا متعدد التاريخ والهوية والنظم، فإن السؤال التالي يصبح طبيعيًا
كيف كانت تُدار الأرض قبل الدولة الحديثة؟ ومن كان يملك حق الانتفاع بها؟ ومن كان يملك سلطة تنظيمها وحمايتها؟
هل كانت الأرض ملكًا للقبيلة؟ أم للسلطان؟ أم للجماعة؟ أم أن نظام الحيازة كان أكثر تعقيدًا من كل هذه الإجابات؟


