بقلم: إيمان بنت الصافي الحريبي
مع كل عام دراسي جديد، تتجدد الصورة ذاتها؛ مدارس تستعيد نبضها، وفصول تفتح أبوابها، وحقائب تحمل كتبًا جديدة، ومعلمون يعودون إلى رسالتهم، وأسر تضع آمالها على عام جديد من التعلم والنجاح.
لكن العودة هذا العام تأتي في عالم مختلف؛ عالم تتسارع فيه المعرفة، وتتغير فيه طبيعة العمل، وتتقدم فيه التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، ويعيد فيه الذكاء الاصطناعي تشكيل كثير من المهام والمهارات والوظائف.
ومن هنا، ربما لم يعد السؤال الذي ينبغي أن يرافق بداية العام الدراسي هو فقط: كيف نبدأ عامًا دراسيًا جديدًا؟ بل السؤال الأهم: أي كفاءات نريد أن نخرج بها إلى المستقبل؟
فالتعليم لم يعد مسؤولًا عن نقل المعرفة إلى الطالب فحسب، وإنما أصبح مسؤولًا عن بناء قدرته على التعلم، والتفكير، والتكيف، والإبداع، وتحويل المعرفة إلى قيمة.
وهذا التحول يتقاطع بصورة مباشرة مع تطلعات سلطنة عُمان لبناء إنسان قادر على المشاركة في اقتصاد متجدد، ومجتمع يتجه نحو مزيد من المعرفة والابتكار، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040.
عالم يتغير.. ومدرسة مطالبة بأن تتغير معه
ربما يكون أحد أكبر تحديات التعليم اليوم أن العالم الخارجي يتغير بسرعة أكبر من سرعة بعض الممارسات التعليمية.
فالطالب يستطيع اليوم الوصول إلى المعلومة في ثوانٍ، ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يشرح ويترجم ويلخص ويقترح ويكتب ويحلل.
فما الذي ينبغي أن يتعلمه الطالب إذًا في زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة بهذا الشكل؟
الإجابة لا يمكن أن تكون المزيد من المعلومات فقط.
نحن بحاجة إلى طالب يعرف كيف يسأل، وكيف يتحقق، وكيف يميز بين الحقيقة والادعاء، وكيف يقرأ المعلومة في سياقها، وكيف يستخدم التكنولوجيا دون أن يصبح تابعًا لها، وكيف يحول المعرفة إلى فكرة، والفكرة إلى قيمة.
فإذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم الإجابة، فإن القيمة المستقبلية للإنسان ستكون في قدرته على صياغة السؤال، وفحص الإجابة، والحكم عليها، وتوظيفها بصورة مسؤولة.
ولهذا فإن الحل ليس مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل تعليم أبنائنا كيف يفكرون معه، لا كيف يفكر عنهم.
من التعليم الذي ينقل المعرفة إلى التعليم الذي يصنع القدرة
النجاح الأكاديمي يظل مهمًا، لكنه لم يعد كافيًا وحده.
فالاقتصاد الجديد يحتاج إلى التفكير النقدي، وحل المشكلات، والإبداع، والمهارات الرقمية، والتواصل، والعمل الجماعي، والقدرة على التعلم المستمر، والمرونة في التعامل مع التغيير.
وهنا يصبح السؤال:
هل نريد طالبًا يعرف الإجابة، أم طالبًا يستطيع أن يصل إلى الإجابة؟
فالفرق بينهما ليس مجرد فرق في طريقة التدريس، وإنما فرق في فلسفة التعليم نفسها.
في الماضي كان امتلاك المعلومة يمثل ميزة. أما اليوم، فقد أصبحت المعلومة متاحة بصورة غير مسبوقة، وأصبحت القيمة الحقيقية في القدرة على فهمها وتحليلها والتحقق منها وتوظيفها.
ومن هنا، فإن المدرسة التي نحتاجها ليست المدرسة التي تملأ ذاكرة الطالب بالمعلومات، وإنما المدرسة التي تبني لديه القدرة على التعلم والتفكير وصناعة القرار.
المعلم.. التكنولوجيا لا تلغي الإنسان
وفي خضم الحديث عن الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية والمناهج الإلكترونية، تظل هناك حقيقة لا ينبغي أن تغيب:
المعلم هو قلب العملية التعليمية.
فالتكنولوجيا تستطيع أن تقدم معلومة، لكنها لا تستطيع أن تفهم الطالب بالعمق نفسه الذي يستطيع أن يفعله معلم يعرف شخصيته واحتياجاته وظروفه.
قد يستطيع النظام الرقمي أن يرصد تراجع أداء الطالب، لكن المعلم هو من يستطيع أن يسأل: لماذا تراجع؟ وهل السبب أكاديمي، أم نفسي، أم اجتماعي، أم متعلق بطريقة التعلم؟
ولهذا فإن مستقبل التعليم لن يكون في استبدال المعلم بالتكنولوجيا، وإنما في تمكين المعلم بالتكنولوجيا.
والانتقال من تدريب المعلم على استخدام الأداة إلى تمكينه من إعادة تصميم التعلم أصبح ضرورة؛ فالمعلم الذي يعرف الأداة مهم، لكن المعلم الذي يعرف متى يستخدمها، ولماذا، وما أثرها على تعلم الطالب هو الأهم.
لذلك فإن الاستثمار في المعلم لا ينبغي أن يقاس بعدد البرامج التدريبية التي حضرها، وإنما بما تغير في ممارسته داخل الصف، وما انعكس على تعلم طلبته.
التعليم والاقتصاد.. حين تصبح الكفاءة لغة المستقبل
ومن التحديات التي لا يمكن تجاهلها العلاقة بين التعليم والاقتصاد.
فهل نُعد الطالب للامتحان فقط، أم نعده للحياة والعمل؟
هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا مع تغير طبيعة الوظائف، وظهور مهن جديدة، وتغير أدوار تقليدية، وتزايد الطلب على المهارات التقنية والتحليلية والإبداعية.
ومن هنا تأتي أهمية تعزيز المسارات المهنية والتقنية، وربطها باحتياجات القطاعات الاقتصادية، إلى جانب توسيع مساحة التوجيه المهني والتعلم التطبيقي والمشروعات والشراكات مع القطاعات المختلفة.
لكن العلاقة بين التعليم والاقتصاد ينبغي ألا تبدأ في نهاية المرحلة المدرسية فقط.
بل ينبغي أن يتعرف الطالب مبكرًا على معنى العمل، والقيمة، والإنتاج، والابتكار، وريادة الأعمال، وأن يدرك أن مستقبله لا يتحدد فقط بما يحفظه، وإنما بما يستطيع أن يصنعه ويضيفه.
فالشهادة مهمة، لكن قيمتها الحقيقية تتعزز عندما تتحول المعرفة التي تحملها إلى إنتاج وإبداع وحل للمشكلات.
وإذا كنا نريد تعليمًا أفضل.. فكيف نعرف أن مدارسنا تتحسن؟
لا يمكن أن نتحدث عن جودة التعليم دون أن نتحدث عن جودة المدرسة نفسها.
فلا يمكن أن نطالب المدارس بالتطوير المستمر دون أن نمتلك منظومة تساعدها على معرفة موقعها، وتشخيص فجواتها، وتحديد أولوياتها، وقياس أثر ما تقوم به من جهود.
وهنا تبرز أهمية منظومة تطوير الأداء المدرسي في وزارة التعليم، بوصفها مسارًا تطويريًا داعمًا يساعد المدارس على قراءة واقعها، وتحديد جوانب القوة والفجوات، وتعزيز التقويم الذاتي، وبناء خطط التحسين، ومتابعة أثر التدخلات.
لكن من المهم هنا أن نميز بين مفهومين قد يختلطان أحيانًا:
منظومة تطوير الأداء المدرسي ليست هي النظام الوطني لتقويم أداء المدارس.
فمنظومة تطوير الأداء ذات طبيعة تطويرية داعمة داخل منظومة وزارة التعليم، وتركز على مساعدة المدرسة في فهم أدائها وتحسين ممارساتها وبناء قدرتها على التطوير المستمر.
أما النظام الوطني لتقويم أداء المدارس فهو منظومة وطنية لضمان جودة التعليم المدرسي، ترتبط بالهيئة العُمانية للاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم، وتقوم على تقويم أداء المدارس وفق معايير ومؤشرات وطنية من خلال المراجعة الخارجية، بما يوفر حكمًا موضوعيًا قائمًا على الأدلة حول مستوى أداء المدرسة ومواطن قوتها وفرص تحسينها.
وبعبارة أكثر وضوحًا:
تطوير الأداء يساعد المدرسة على أن تتحسن، بينما التقويم الوطني يساعد على معرفة مستوى جودة أدائها وفق مرجعية وطنية.
والقيمة الحقيقية لا تكمن في عمل كل مسار بمعزل عن الآخر، وإنما في تكاملهما؛ فالتقويم الذاتي يمنح المدرسة فرصة لفهم واقعها من الداخل، والمراجعة الخارجية تمنحها منظورًا مهنيًا مستقلًا، ثم تأتي مرحلة التطوير لتحويل النتائج إلى إجراءات وتحسينات قابلة للمتابعة والقياس.
الإطار الوطني.. حين تصبح جودة المدرسة قابلة للفهم والقياس
وهنا تبرز أهمية الإطار الوطني لتقويم أداء المدارس، باعتباره مرجعية أساسية لفهم جودة المدرسة وتقويم أدائها.
فجودة المدرسة لا يمكن اختزالها في درجات الطلبة وحدها؛ لأن المدرسة منظومة متكاملة يتفاعل فيها التعلم والتدريس والقيادة والبيئة المدرسية والنمو الشخصي للطلبة.
ولهذا يتناول الإطار مجالات أساسية تشمل الإنجاز الدراسي، والتدريس والتقويم، والنمو الشخصي للطلبة، ومناخ المدرسة وبيئة التعلم، والقيادة والإدارة والحوكمة.
وهذه النظرة الشمولية تعيد صياغة السؤال من:
هل نتائج طلابنا جيدة؟
إلى سؤال أكثر عمقًا:
ما الذي جعلها جيدة؟ وهل نستطيع الحفاظ عليها وتطويرها؟
فقد تكون مدرسة قوية في نتائجها الأكاديمية، لكنها تحتاج إلى تطوير في بيئة التعلم.
وقد تكون لديها مبادرات كثيرة، لكن أثرها على تعلم الطلبة محدود.
وقد تمتلك خططًا طموحة، لكنها تحتاج إلى تعزيز في المتابعة والحوكمة.
وهنا تتجلى أهمية الإطار؛ لأنه يساعد على النظر إلى المدرسة باعتبارها منظومة متكاملة، لا نتيجة رقمية واحدة.
من التقويم إلى التحسين.. ومن التقرير إلى الأثر
لكن السؤال الأكثر أهمية هو:
ماذا يحدث بعد التقويم؟
فإذا انتهت العملية بتقرير يوضع في ملف، فقد عرفنا أين نقف، لكننا لم نتحرك بالضرورة إلى الأمام.
أما إذا أصبحت النتائج نقطة بداية لعمل جديد، فإن التقويم يتحول إلى أداة حقيقية للتحسين.
فإذا كشف التقويم ضعفًا في القراءة، ينبغي أن تتحول النتيجة إلى تدخل تعليمي واضح.
وإذا كشفت المراجعة فجوة في ممارسات التدريس، ينبغي أن تقود إلى تنمية مهنية ومتابعة لأثرها.
وإذا كشفت البيانات مشكلة في بيئة التعلم، فيجب أن تتحول إلى قرارات وإجراءات قابلة للقياس.
وعندها تصبح العملية دورة تعلم مؤسسي مستمرة؛ تبدأ بأن تقرأ المدرسة واقعها بصدق، وتحدد الفجوة التي تحتاج إلى معالجة، ثم تضع أولوية واضحة وتنفذ التدخل المناسب، وتتابع أثره، وتعود إلى القياس مرة أخرى لتعرف: هل حدث التحسن فعلًا؟
وهنا يتحول السؤال من «ماذا اكتشفنا؟» إلى «ماذا غيرنا؟»، ومن «ما مستوى المدرسة؟» إلى «ما مقدار التحسن الذي أحدثناه؟».
وهذه النقلة هي التي تجعل الجودة ثقافة مؤسسية وليست إجراءً إداريًا.
هل يجب أن يستمر الإطار الوطني ومنظومة تطوير الأداء؟
في تقديري: نعم، وبقوة، ولكن الاستمرار لا يعني الجمود.
فالتعليم الذي يتغير بسرعة يحتاج إلى منظومة جودة قادرة على التطور بالسرعة نفسها.
وإذا كانت المدرسة المستقبلية ستواجه الذكاء الاصطناعي، والتعليم المدمج، والأمن الرقمي، ومهارات المستقبل، والتغير في سوق العمل، والتنوع المتزايد في احتياجات المتعلمين، فإن أدوات قياس جودة المدرسة يجب أن تتطور أيضًا.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال:
هل نستمر؟
بل:
كيف نستمر بصورة أفضل؟
كيف نطور المعايير والأدوات بما يواكب التحولات الجديدة؟
كيف نضمن ألا تتحول مؤشرات الجودة إلى عبء إجرائي؟
كيف نجعل البيانات أكثر قدرة على دعم القرار؟
وكيف نضمن أن يكون الهدف النهائي لكل عملية تقويم هو تحسين تعلم الطالب؟
فالاستدامة لا تعني أن تبقى المعايير والأدوات ثابتة إلى الأبد، وإنما تعني أن تمتلك المنظومة قدرة دائمة على التعلم والتحديث والاستجابة للتغير.
التحدي القادم.. ألا تتحول الجودة إلى ورق
هناك خطر يجب أن نكون واعين له.
كل منظومة جودة، مهما كانت قوية، يمكن أن تفقد قيمتها إذا تحولت من وسيلة لتحسين التعليم إلى غاية إجرائية بحد ذاتها.
فكثرة النماذج لا تعني جودة.
وكثرة الملفات لا تعني تحسنًا.
وكثرة المبادرات لا تعني أثرًا.
والمدرسة التي تنشغل بإثبات أنها جيدة أكثر من انشغالها بأن تصبح أفضل، قد تقع في فخ الشكل على حساب الجوهر.
لذلك فإن نجاح منظومة تطوير الأداء والإطار الوطني لتقويم أداء المدارس يجب أن يقاس في النهاية بما يحدث داخل الصف.
هل أصبح الطالب أكثر قدرة على التفكير؟
هل تحسن تعلمه؟
هل أصبح المعلم أكثر فاعلية؟
هل أصبحت القيادة المدرسية أكثر قدرة على اتخاذ القرار؟
هل أصبحت بيئة المدرسة أكثر دعمًا للتعلم؟
وهل تحولت نتائج التقويم إلى تحسينات حقيقية ومستدامة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام منظومة جودة تؤدي وظيفتها.
أما إذا بقيت النتائج حبيسة التقارير، فإننا نكون قد نجحنا في القياس، ولم ننجح بعد في التحسين.
المدرسة التي نحتاجها في المرحلة القادمة
نحن لا نحتاج مدرسة تواكب التغيير فقط، بل مدرسة تستعد لما بعد التغيير.
مدرسة تعلم الطالب كيف يتعلم.
وتعلم المعلم كيف يتطور.
وتعلم القيادة كيف تقرأ البيانات.
وتتعلم المؤسسة كلها كيف تتعلم من نتائجها.
مدرسة لا تخاف من التقويم، لأنها لا تراه محاكمة، وإنما فرصة لفهم الذات.
ولا تخاف من التكنولوجيا، لأنها لا تستخدمها لمجرد الحداثة، وإنما لأنها تعرف أين تضيف قيمة.
ولا تخاف من المستقبل، لأنها لا تنتظر أن يأتي حتى تستعد له.
عودًا حميدًا.. ولكن إلى ماذا؟
مع بداية عام دراسي جديد، ربما لا يكون السؤال الأهم:
كم طالبًا سينجح هذا العام؟
بل:
كم طالبًا سيخرج من هذا العام أكثر قدرة على التفكير، وأكثر ثقة بنفسه، وأكثر استعدادًا للتعلم المستمر، وأكثر قدرة على صناعة قيمة في مجتمعه واقتصاده؟
فالاقتصاد لا يحتاج فقط إلى خريجين يحملون شهادات، وإنما إلى رأس مال بشري قادر على إنتاج القيمة.
والوطن لا يحتاج فقط إلى طالب متفوق في الاختبار، وإنما إلى إنسان يعرف كيف يتعلم، وكيف يعمل، وكيف يبتكر، وكيف يتحمل المسؤولية، وكيف يحافظ على هويته وهو ينفتح على العالم.
ولهذا فإن تطوير التعليم لا ينبغي أن يكون مشروعًا موسميًا يبدأ مع عام دراسي وينتهي بنهايته.
إنه مشروع وطني مستمر.
ومنظومة تطوير الأداء، والإطار الوطني لتقويم أداء المدارس، والمراجعة الخارجية، والتقويم الذاتي، والمناهج، والتنمية المهنية للمعلمين، والقيادة المدرسية؛ كلها ليست مسارات منفصلة، وإنما حلقات متكاملة ينبغي أن تلتقي حول هدف واحد: أن يصبح كل عام دراسي خطوة حقيقية إلى الأمام، لا مجرد تكرار لعام سبقه.
فكل حقيبة مدرسية تُحمل اليوم لا تحمل الكتب وحدها؛ إنها تحمل معها سؤالًا عن المستقبل، وتحمل مسؤولية وطنية تجاه الإنسان الذي نريد أن نبنيه.
عودًا حميدًا.. بكفاءات المستقبل.


