{ من الأحد إلى اللّحد }
قصة رحيل أبي وغصّة نحيب من كل فجٍّ عميق”
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، ولا رادَّ لمراد الله.
رحل عميد العطاء، رحل نبع الوفاء والصفاء، رحل الحاضر الغائب، يوم السبت ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦م عصرًا، بعد حياةٍ كريمة وسيرةٍ عزيزة، ترك فيها أطيب الأثر لوجه الله أولًا، وقدّم لآخرته أرقى العمل، وحمل همَّ الأمة الإسلامية في صفوٍ وكدر، وغرس في وطنه ومجتمعه أحسن الفعل والكلم، وحرص في عشيرته وأسرته على أكرم الود وصلة الرحم، ووقّر الكبير منهم، وعطف على الصغير، وسعى جاهدًا، زاهدًا، في كبائر الشؤون وصغائرها، بكل حكمة ومنطق ومرجع.
وأستأذنكم في هذا المقام مساحةً لإبنٍ يروي عن أبيه لا كاتباً يصفه ، وإن كنت أعلم أن مافي القلب أعظم من أن تحمله الكلمات وأوسع من أن تصفها الصفحات ..
كان أبي يؤدي أدوارًا عديدة بكل تفاصيلها على أكمل وجه؛ كان هو الأب الحنون، والصديق الصدوق، والابن البار للكبار. كان مرجعًا للكثير، ويستشير الكثير، مؤمنًا بأن ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾، ولا يترك مجلسًا إلا ويختمه بالتذكير والنصح، وكان ملاذًا وأمانًا للكثير، عطوفًا رحيمًا بالجميع.
إن دور الأب هو جزء أساسي من تكوين الأسرة، ولكنه كان ساعيًا في تكوين العديد من الأسر، ناهيك عن تأسيس وتكوين الجمعيات والفرق الخيرية والمساجد والمدارس وكفالة الأيتام لمختلف شرائح المجتمع، وغيرها من المشاريع الثقافية والتجارية، بما فيها تنمية مجالات البلد واقتصادها.
فقد كان من أوائل المبادرين بتأسيس بنك إسلامي في الثمانينيات، ولكن لم تتم الموافقة عليه حينها. وكان أيضًا من مؤسسي نادي الشعب، الذي أصبح نادي ظفار، وأسس أول صالة لكمال الأجسام، ومحلًا لبيع الأدوات الرياضية والبحرية والرحلات في محافظة ظفار، حيث كان ذلك المحل بمثابة مؤسسة خيرية ومركزًا رئيسيًا لتسخير ذلك الرزق لخبايا عظيمة بينه وبين الله عز وجل، فكان يقصده الناس من كل حدب وصوب.
وكان من مؤسسي الشركة العالمية للمحاجر، وأسس متحف ظفار، الذي كان حلمًا قديمًا وهدفًا أصيلًا لتثقيف الأجيال ودعم قطاعي التراث والسياحة، حيث سخر له التضحيات رغم التحديات، إلى أن رأى النور عام ٢٠٢٥م بتوفيق الله.
كان والدي يقتدي في حديثه وأفعاله بجده العلّامة الشيخ سالم السيل الغساني، ووالده الشيخ عبدالمحسن، والكثير من أعمامه وأخواله، وكان بارًا بهم وبمن حولهم من الأمهات العظيمات.
لقد ساهم وابتكر الكثير من أفعال الخير والتيسير على الناس والتمكين في الأسر والشباب طيلة حياته، منذ نعومة أظفاره، حيث كان فطنًا متميزًا. فقد روى لنا الكثير من المواقف والقصص، منها عن جده سالم السيل، وعن مقولته الشهيرة: «التجارة مال ومويل، ومال معصوب بحبيل»، وعن قصة السِّيلك الذي كان ينزله للمحتاجين من قصره، وعن يده التي أوصى بإخراجها من الجنازة أثناء التشييع.
وكذلك أحد أعمامه الذي كان يعينه؛ حيث صادف يومًا، وهم في طريقهم في فترة الستينيات، أن رأى عمه مسمارًا على الطريق الترابي أثناء عودتهم من سوق الحصن، فالتقطه عنه واحتفظ به. وكان والدي يراقبه ويسأله: لماذا أخذته؟ فقال له: «يا ولدي، كل ساقطة ولها لاقطة».
وبعد عدة أشهر، طلبه عمه إلى مجلس بيته وقال له: أتذكر المسمار؟ فقال والدي: نعم. فإذا به يحمل الصورة على الحائط !
ومنذ ذلك الحين، حرص والدي واتبع نهجه، وابتكر أول عربة نقل في تلك الفترة مقابل ريال فرنسي، رأفةً بالحيوانات، (أكرمكم الله)، لصعوبة حمل المتاع الثقيل على ظهورها. فكأنها كانت بداية تجارته التي نشأت من مبدأ العطف!
وابتكر إنارة من خلال مولّد الدراجات الهوائية على بكرة مطحنة المحاصيل في مزرعة والده، لكي يستمر عملها بعد المغرب، منفعةً للناس الذين يأتون من مسافات بعيدة.
ومن ناحية مسيرته العملية، فإنها باعٌ طويل شملت عضويات ومؤسسات لا يمكنني سردها لكثرتها، ولكثرة القصص والمواقف التي إلى الساعة نسمع عنها من أصحاب العلاقة، بما فيها من دروس وعبر تجعلنا حقًا نفخر بهذا الأب العظيم، الذي وصل وواصل هذا العون بفضل ربه طيلة حياته، وهو يردد:
«هذا من فضل ربي».
رحمه الله.
فكان يحرص على وجود المصليات في جهات مختلفة، وفي كل مبنى حكومي ومؤسسة، حيث كان يسعى في السر، بلا تردد، في تفريج كُربة المكروبين، سواءً داخل البلاد أو خارجها،
لقد كان والدي أبو حمزة رحمه الله ذا مزايا وصفات فذّة، وكان حريصًا جدًا على مكارم الأخلاق، وله وِرد يومي فيه الأذكار، ويقول:
«هذا زاد اليوم، فاحرصوا عليه».
كان يجمع القريب والبعيد، وكان محبًا ودودًا، ويعامل زوجته، أمي الغالية، وأبناءه تعاملًا خاصًا، بين طياته مآثر ودروس لا تُحصى، على جميع الأصعدة، خُلقًا وأخلاقًا.
ومن أبسطها أن نضع أنفسنا مكان الآخرين قبل كل شيء.
وكان يقول دومًا:
«اترك الشيء كما تحب أن تراه».
وكان ينادينا بأحب الأسماء والألقاب، وغرس فينا السمات الحسنة، ويكلّف كلًا منا بمهام تناسب شخصياتنا، حسب العمر وحسب المشهد.
ويصحبنا معه لبرّ كبار القوم في بيوتهم ورحلاتهم، التي كانت لنا نضجًا وتمكينًا في القيادة وصناعة الأثر وحب الخير للغير.
لقد غرس فينا وفي إخوتي الإيثار بيننا، وعلّمنا التجويد وإمامة المصلين، وغرس فينا محبة الناس وتقديرهم وسعة الصدر، وعلّمنا أن الهم هو همُّ الآخرة، وأن الدنيا فانية، وأصّل فينا العديد من الخصال التي نحتسبها له عند الله عز وجل.
فاللهم لا تزكية.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.
وهذا كله، بلا شك، أن خلفه امرأة عظيمة، صبرت وصابرت على متاع الدنيا، وضحّت معه بالكثير، وسهرت الليل لتمضي معه خلف أهدافهم ومخططاتهم السامية التي باركها الله لهما.
فقد كانت السند له، والمستشار، وكانت العمد له والارتقاء.
حفظكم الله، أمي الغالية.
وقد خصني رحمه الله بسرٍّ يومًا ما، عندما كنت أعينه في أعمال تأسيس المتحف عام ٢٠١٤م، حيث كنت أعود من الجامعة عصرًا وأعاونه في أعماله في مكتبه الخاص في البيت.
فقال لي: إنه أثناء ولادة أمك بك، بُشّرت بقدومك، فسجدت لله حينها وبكيت بكاءً شديدًا، خشية أن تكون فتنة لكثرة الأولاد الذكور بعد حرماني لسنوات! فدعوت الله أن يبارك ذريتي.
والحمد لله، فكنت أنت من بينهم كأبي بكر الصديق، في إخلاصك وحرصك وبرّك بوالديك، وأنه يُعتمد عليك.
حفظك الله يا ولدي.
أيُّ نفسٍ تلك التي تخشى الله بما فيها من الورع؟! وأيُّ نفسٍ تلك التي تعلو بك لتشبّه ابنك بصحابي من أصحاب رسول الله ﷺ؟!
هذا هو المربّي، هذا هو القائد، هذا هو المعلم، هذا هو التوّاق.
رحمة الله تغشاكم، أبي.
هناك أسرار كثيرة، فبعضها لا يمكن البوح به، وهناك القصص والمواقف مع القريب والبعيد كثيرة، في كل زمن وحين، لا يمكن حصرها وذكرها. رأينا وسمعنا منها العجب، حتى على مستوى الأجانب والمقيمين بمختلف أديانهم، فكان يعاملهم بالإنسانية المثلى، ولله الحمد، ويهتم بشؤونهم.
فكان رمزًا للتواضع، محبًا لإدخال السرور في وجوده، من خلال خفة روحه ومقالبه البيضاء المضحكة مع الأحباب في رحلاتهم ولقياهم، بهدف إدخال السرور.
كان الوالد رحمه الله معروفًا بالواجب مع كافة شرائح المجتمع في ظفار، من البادية إلى الجبل إلى المدينة، وله العديد من المبادرات في فعل الخير، ويكفيني أن أذكر منها ابتكاره لسرير غسيل الموتى، تحسّبًا للأجر.
وبهذه الأفعال المخلصة، فإذا أحب الله عبدًا أحبه الناس؛ فقد اجتمع الناس على حبه في حياته ومماته.
رحمه الله.
لقد ربّانا في حياته على أن نحبه رغبةً وليس رهبةً، فإذا أخطأ أحدنا كان يخصه بالنصح والتوجيه، ولم يمد يده علينا يومًا بتاتًا، بل يفتح النقاش لذلك الأمر، إلى أن يصل معنا إلى الصواب.
كانت في كل حركة، وكل كلمة، من تفاصيل يومه، درسًا لنا.
كان نموذجًا يُحتذى به في إخلاصه وإتقانه وسماحته وأسلوبه وتصرفاته وثقافته، في المشرب والمأكل والمجلس والمعشر.
كان ينصت باهتمام ولو كان المتحدث صغيرًا، ويتحدث بصوت خافت، من مبدأ:
«رفع الصوت رعونة».
لقد كافح رحمه الله وعانى الكثير بصمت، فقد كنا نشهده كثير السجود، ويسعى بنا جاهدًا إلى حلقات الذكر أسبوعيًا، ويغرس فينا لقاء الجمعة مع الأهل لتلاوة سورة الكهف، ونتقاسم آياتها.
وحرص رحمه الله على مرافقة صحبة الأخيار لوالده كل ثلاثاء، وصحبته الخاصة كل اثنين، لتحفّهم الملائكة بذكر الله.
وكان إذا مرضت أمي الحبيبة، أو أحد أبنائه أو أحفاده، يتسارع بالصدقات لكف البلاء عنهم بإذن الله.
لقد انتقلت روح أبي، الشيخ/ محمد بن عبدالمحسن سالم السيل الغساني، إلى الرفيق الأعلى، بعد أن أدركته علامات شهدناها من قبل ومن بعد، ونحسبه إن شاء الله من الصالحين.
وشهدنا زفّة جنازته بكل فخر وهيبة، وتوافد المعزّين بأعداد مهولة من كل مكان، جزاهم الله عنا وعنه خير الجزاء.
كان خفيف الظل في حياته ومماته، فقد أوصى وصاياه جملةً وتفصيلًا، حيث اجتمعنا وإخوتي لننفذ الوصية ونحن في حيرة من أمرنا، ولكنه سطّر لنا فيها كل ما يفترض أن نقوم به.
وبعد قراءتها، أدركنا أنه ليس هناك ما نقوم به إلا الثبات والتمسك بكلمة:
لا إله إلا الله.
ولم ينسَ الصالحين من أقرانه، لطلب الذكر والدعاء له، وكانت كل كلمة كُتبت في وصيته تحمل المعنى البليغ والسعة في التأني والتنفيذ.
كان في وصيته لطف وحكمة، ولم يتركنا ننشغل بشيء غير الذكر والدعاء.
رحمك الله يا أبي.
كان يدرك أن الموت حق، وكان عزيز النفس حتى في مرضه، إلى آخر لحظاته، يحرص ويواري عن قرب الممرضات منه، فكنا نحن وأمي وإخواني وأخواتي وأحفاده الممرضين له، بفضل الله عز وجل.
وكان دائمًا يردد:
«هذه الدنيا، ومن عاداتها تخفض العالي وتعلو من سفل».
كان في قوله معادلة ورسالة وواقعٌ وجب أن نتفكر فيه.
إن الكتابة عن هذا الأب العظيم لا تنتهي، ولكن هذه خواطر جعلتني، من لحظة دخوله في رحلة المرض إلى لحظة وفاته، أن أثبت بثباته إلى يومي هذا، وأني عاهدت نفسي أن أجعل الصلاة حنيني له، والدعاء حديثي إليه، وأن أستبدل حزني عليه بكل بِرّ، فقد علّمنا أن البر لا ينقطع عند الموت، بل يستمر في أبوابه.
أستودعك الله أبي، الذي لا تضيع ودائعه.
وهذه الكلمات، وتلك الدعوات، لو توفّي حقكم ما حيينا،
عهداً عليّ أجعل الصلاة حنيني إليك والدعاء حديثي إليك.
كتبه إبنكم /
حارث بن محمد عبدالمحسن سالم السيل الغساني
٢٩ أغسطس ٢٠٢٦


