آمال بنت أحمد آل إبراهيم
خريف ظفار هذا العام بدا أضعف مما اعتدناه.
سمعنا ذلك من المشاهير، ومن السائحين، ومن المواطنين، وتناقل الناس الحديث عن ضعف الخريف وقلة الأمطار وتراجع بعض مظاهر الموسم.
لكن السؤال الذي قلّما نطرحه هو:
هل اكتفينا بوصف الظاهرة، أم تجرأنا على البحث عن أسبابها؟
وهل كل ما يحدث لنا يمكن أن نفسره بالأسباب المناخية وحدها؟
لا نكتل هذا المقال لأصدر حكمًا على الناس، ولا لنزعم أن قلة المطر أو ضعف الخريف نتيجة مباشرة لمعصية بعينها؛ فالغيب عند الله، والطقس له أسبابه العلمية المعروفة، ولا يجوز لأحد أن يتحدث باسم الله في أسباب لم يجعل الله له عليها علمًا.
لكننا نكتب من زاوية أخرى أكثر عمقًا:
ماذا يحدث عندما نتعامل مع النعمة وكأنها حق مكتسب، لا أمانة تستوجب الشكر؟
الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَلَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾.
والشكر ليس كلمة تُقال باللسان.
الشكر سلوك ،الشكر أن تحافظ على المكان الذي أنعم الله عليك به.
الشكر أن لا تحوّل الطبيعة إلى مكب للنفايات.
الشكر أن لا تهدر الماء والطعام والطاقة.
الشكر أن لا يتحول الموسم إلى سباق في الإسراف والبذخ والمظاهر.
الشكر أن نحترم الإنسان، ونحترم البيئة، ونحترم القيم التي يفترض أن تكون أساس المجتمع.
والسؤال الأصعب:
هل نحن فعلًا نشكر نعمة الخريف… أم نستنزفها؟
نحتفل بالخريف، ثم نترك خلفنا أكوامًا من المخلفات.
نستقبل الزائر، ثم نستهلك الموارد بلا حساب.
نتحدث عن جمال ظفار، ثم نشارك في تشويه هذا الجمال بالسلوكيات الخاطئة.
ننشغل بالتصوير والاستعراض والشكليات، بينما تتراجع في المقابل قيمة البساطة، والمسؤولية، والاحترام.
هناك سؤال ديني لا ينبغي أن نخاف من طرحه:
هل يمكن للذنوب والمعاصي أن تكون سببًا في رفع البركة؟
نعم، نحن نؤمن بأن المعاصي لها آثار في حياة الإنسان والمجتمع، وأن الطاعة والاستغفار والشكر من أسباب الخير والبركة.
لكن لا يجوز لنا أن نحدد أن هذا المطر قلّ بسبب ذنب فلان، أو أن هذا الموسم ضعف بسبب معصية جماعة بعينها.
فذلك من علم الغيب.
ما نستطيع قوله هو أن المؤمن حين يرى تغيرًا أو نقصًا في نعمة، لا يكتفي بالشكوى، بل يراجع نفسه.
هل شكرنا؟
هل أحسنا؟
هل حفظنا؟
هل ظلمنا؟
هل أسرفنا؟
هل أفسدنا؟
هل أدينا حق هذه النعمة؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى هيئة أرصاد حتى نجيب عنها ، وتزداد القضية خطورة عندما يصبح الإسراف ثقافة.
مبالغ تُنفق على الشكليات، وموارد تُستنزف في مظاهر مؤقتة، وفعاليات قد يكون بعضها أقل أثرًا من احتياجات حقيقية في المجتمع.
وفي الوقت نفسه نتحدث عن الاستدامة!
أي استدامة نريد ونحن لا نعرف كيف نحافظ على ما بين أيدينا؟
الاستدامة ليست كلمة في المؤتمرات.
الاستدامة أخلاق.
أن تعرف متى تنفق، وأين تنفق، ولماذا تنفق.
أن تعرف أن المال مورد، والماء مورد، والطبيعة مورد، ووقت الإنسان مورد.
وأن كل مورد له حساب.
ولذلك فإن ضعف الخريف، إن كان قد حدث فعلًا بصورة يلاحظها الناس، يجب ألا يكون مجرد مادة للتندر أو المقارنة بين عام وآخر.
بل فرصة لمراجعة أعمق.
نراجع تخطيطنا.
نراجع علاقتنا بالبيئة.
نراجع سلوكنا السياحي.
نراجع حجم الإسراف.
نراجع الفعاليات.
نراجع الرسائل التي نقدمها للزائر.
ونراجع أنفسنا قبل أن نبحث عن أخطاء الآخرين.
قم… لا تتردد.
قم بحملة تنظيف.
قم بمبادرة لترشيد الاستهلاك.
قم بتوعية أبنائك.
قم بحماية شجرة.
قم بجمع مخلفات مكان زرته.
قم بدعم مبادرة تخدم المجتمع.
قم بإحياء قيمة الشكر في النفوس.
وقم قبل كل ذلك بمراجعة نفسك.
فربما لا نستطيع أن نغيّر اتجاه الرياح، ولا أن ننزل المطر، ولا أن نتحكم في المناخ.
لكننا نستطيع أن نغيّر سلوكنا.
ونستطيع أن نقرر: هل نكون جيلًا يستهلك النعمة، أم جيلًا يحافظ عليها؟
ولعل الرسالة الأهم ليست:
لماذا كان الخريف ضعيفًا؟
بل:
ماذا فعلنا نحن عندما كانت النعمة بين أيدينا؟
فإن كان الخريف نعمة، فلنحسن استقبالها.
وإن كان المطر رزقًا، فلنحسن شكره.
وإن كانت ظفار جميلة، فلنحفظ جمالها.
وإن كانت النعم قابلة للزيادة بالشكر، فلنبدأ بالشكر الذي يُرى في أفعالنا، لا بالكلمات التي تُقال بألسنتنا.
اللهم لا تجعلنا ممن عرفوا النعمة فلم يشكروها، ورأوا الجمال فلم يحفظوه، وأُعطوا الخير فأساؤوا استخدامه.
اللهم بارك في ظفار وعمان وأهلها، واحفظ خريفها وبيئتها، واجعلنا أمناء على ما وهبتنا، شاكرين لنعمك، محافظين عليها.


