معمر بن عوفيت الشحري **
في مساء يوم الأمس الموافق 30 أغسطس 2026م، كنت من الحضور في أمسية «مساحة رؤية» التي حملت عنوان «المعمري ما بين الإعلام والكتابة»، وهي أمسية ثقافية أقيمت تحت رعاية سعادة الدكتور الشيخ/ سعيد بن حميد الحارثي، والي صلالة وبحضور مدير عام المديرية العامة للثقافة والرياضة والشباب بمحافظة ظفار، ونخبة من الإعلامين والكتاب والمفكرين والمثقفين. واستُهلت الأمسية بإدارة الإعلامي بدر الشيباني للجلسة، فيما قدمت الأستاذة إشراق النهدي كلمة المجلس، وخلال الحوار مع الكاتب والإعلامي سليمان المعمري، استوقفني حقيقة حديثه عن علاقة الكاتب بالذكاء الاصطناعي، ولا سيما حين يتحول استخدام هذه الأدوات من وسيلة مساعدة إلى اتكالية كاملة يفقد معها النص بصمة صاحبه ولمسته الإنسانية.
خرجت من ذلك الحوار وأنا أفكر: هل يمكن للكاتب أن يستفيد من الذكاء الاصطناعي دون أن يفقد صوته؟ وهل تستطيع التقنية أن تكتب نصًا متماسكًا، لكنها لا تستطيع أن تمنحه تلك اللمسة التي تجعل القارئ يشعر بأن خلف الكلمات إنسانًا عاش التجربة وتأمل فيها؟ ومن هنا بدأت فكرة هذا المقال.
لم تعد الكتابة اليوم كما كانت بالأمس. فقد دخل الذكاء الاصطناعي إلى عالم القلم، وأصبح قادرًا على صياغة المقالات، وتلخيص الكتب، وتصحيح اللغة، واقتراح الأفكار، بل وحتى محاكاة بعض الأساليب الأدبية.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل جاء الذكاء الاصطناعي ليأخذ مكان الكاتب، أم ليمنح الكاتب أدوات جديدة؟
في الحقيقة، المشكلة ليست في أن تكتب الآلة، وإنما في أن يتوقف الإنسان عن التفكير.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقترح فكرة، ويرتب فقرة، ويحسن صياغة جملة، لكنه لا يعيش التجربة الإنسانية التي تقف خلف الكلمات.
ومن المعلوم بداهةً أن الكتابة ليست مجرد جمعٍ للكلمات وترتيبٍ للجمل، وإنما هي انعكاس لفكر الكاتب وتجربته ومشاعره ورؤيته للحياة، فلا يعرف الذكاء الاصطناعي معنى أن يكتب الإنسان عن فقدٍ عاشه، أو وطنٍ أحبه، أو موقفٍ غيّر حياته، أو قضيةٍ ظل يفكر فيها سنوات.
الكاتب الحقيقي لا يقاس بعدد الكلمات التي يكتبها، وإنما بما يضيفه إلى القارئ من فكرة أو سؤال أو شعور.
ومع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح من السهل إنتاج نص جميل من الناحية اللغوية، لكن جمال اللغة لا يعني بالضرورة عمق الفكرة، فقد تكون الكلمات مرتبة، والجمل متماسكة، ولكن النص بلا روح ولا موقف ولا تجربة.
وهنا تأتي مسؤولية الكاتب؛ ولا يمنع ذلك الكاتب من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والاستفادة منها، بل إن مواكبة التطور التكنولوجي أصبحت جزءًا من أدوات العصر، ما دام الكاتب محتفظًا بدوره في التفكير والتحليل وصناعة الفكرة. فالاستفادة من التقنية لا تنتقص من قيمة الكاتب، وإنما تكمن القيمة في كيفية توظيفها لخدمة المعرفة والكتابة والإبداع.
فالكاتب يستطيع أن يستفيد منه في البحث الأولي، وتوليد الأفكار، والمراجعة اللغوية، وتنظيم المادة، لكنه يبقى مسؤولًا عن الفكرة والمعلومة والموقف والأسلوب النهائي.
ولعل الخطر الأكبر ليس أن يكتب الذكاء الاصطناعي بدلًا منا، وإنما أن يجعلنا نعتاد الحصول على النصوص الجاهزة، فنفقد تدريجيًا متعة البحث والتأمل والمحاولة والخطأ.
فالكتابة في جوهرها ليست مجرد ضغط أزرار على لوحة المفاتيح؛ إنها عملية تفكير.
قد يكتب الذكاء الاصطناعي ألف كلمة في ثوانٍ، لكن السؤال الأهم: هل استطاع أن يقول شيئًا يستحق أن يُقرأ؟
إن مستقبل الكتابة لن يكون بالضرورة صراعًا بين الإنسان والآلة، بل شراكة بين عقل يمتلك الرؤية وأداة تمتلك السرعة.
فالآلة تستطيع أن تساعد الكاتب على الوصول إلى الكلمة، لكن الإنسان هو الذي يمنح الكلمة معناها.
وفي زمن تستطيع فيه الآلة أن تكتب بسرعة مذهلة، ربما تصبح قيمة الكاتب أكثر ارتباطًا بقدرته على أن يفكر ببطء، وأن يرى ما لا يراه الآخرون، وأن يطرح الأسئلة التي لا تقدمها الخوارزميات جاهزة.
لذلك، لا ينبغي أن نسأل فقط: هل سيستبدل الذكاء الاصطناعي الكاتب؟
بل علينا أن نسأل سؤالًا أعمق:
إذا أصبح الجميع قادرين على الكتابة بالذكاء الاصطناعي، فمن سيبقى قادرًا على أن يقول شيئًا يستحق أن يُكتب؟
**كاتب عماني مهتم بالقضايا الفكرية والاجتماعية والإدارية
ماجستير في الإدارة..


