حماية المعسر حق ولكن من يحمي صاحب الحق؟

نشرت :

بقلم: عبدالعزيز مسعود السعدون

تتطور القوانين والتشريعات في سلطنة عمان بما يواكب المبادئ الإنسانية والقانونية الحديثة ومن بين المسائل المهمة في هذا الجانب التعامل مع المحكوم عليهم في الالتزامات المالية والتفريق بين من يملك القدرة على الوفاء ويمتنع عنه وبين من أصبح عاجزًا فعلًا عن السداد

ولا شك أن حماية المعسر الحقيقي وعدم تحويل الدين وحده إلى سبب لسلب حريته مبدأ إنساني يستحق التقدير فهناك من تتغير ظروفه ويخسر تجارته أو مصدر دخله ويصبح عاجزًا بالفعل عن الوفاء بالتزاماته

ولكن في المقابل يبرز سؤال مشروع لا يقل أهمية

من يحمي صاحب الحق؟

فالعدالة لها طرفان وكما أن المدين المعسر له حقوق وكرامة يجب الحفاظ عليهما فإن المحكوم له أيضًا قد يكون قد فقد مدخراته أو أمواله أو مصدر رزقه وانتظر سنوات في ساحات المحاكم حتى صدر حكم نهائي يثبت حقه

ومن هنا فإن القضية ليست اعتراضًا على حماية المعسر وإنما مطالبة بأن تكون هناك ضوابط وآليات دقيقة تميز بين العجز الحقيقي عن السداد والعجز المصطنع أو المتعمد

الإعسار الحقيقي شيء وإخفاء الأموال شيء آخر

من المسائل التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار احتمال أن يسبق بعض الأشخاص مرحلة التنفيذ بترتيب أوضاعهم المالية بطريقة تجعلهم يظهرون أمام الجهات المختصة وكأنهم لا يملكون شيئًا

فقد تكون هناك في بعض الحالات محاولات لإخراج الأموال إلى حسابات خارج السلطنة أو نقل بعض الممتلكات والأصول إلى أسماء أقارب أو أفراد آخرين أو التصرف في العقارات والمركبات والحصص التجارية قبل التنفيذ أو إبقاء الأموال بعيدًا عن الحسابات والأصول الظاهرة

وهنا تكمن أهمية التفريق بين من لا يملك المال أصلًا ومن يملك أو كان يملك ولكنه تعمد إخفاءه أو نقله أو التصرف فيه للإفلات من الوفاء بحقوق الآخرين

فلا ينبغي أن يستفيد من الحماية المقررة للمعسر الحقيقي من تعمد ترتيب وضعه المالي مسبقًا بقصد تعطيل التنفيذ

نحتاج إلى منظومة تحقق مالي أكثر شمولًا

ومن وجهة نظري فإن حماية جميع الأطراف قد تستدعي تطوير آليات التحقق بحيث لا يقتصر النظر إلى الرصيد البنكي الموجود في لحظة معينة وإنما يشمل وفق ما يسمح به القانون وبعد التحقق القضائي دراسة الحركة المالية خلال فترة مناسبة والممتلكات التي جرى التصرف فيها والتحويلات الكبيرة والحصص في الشركات والمركبات والعقارات وغيرها من الأصول

كما يمكن النظر في الحالات التي تنتقل فيها ممتلكات ذات قيمة إلى الزوج أو الزوجة أو الأبناء أو الأقارب أو أطراف أخرى خلال فترة قريبة من نشوء النزاع أو صدور الحكم أو بدء إجراءات التنفيذ متى وجدت أسباب جدية تستدعي التحقق

والهدف هنا ليس افتراض سوء النية في كل من نقل مالًا أو عقارًا إلى أحد أفراد أسرته فالناس أحرار في أموالهم في حدود القانون وإنما المقصود هو إعطاء الجهات المختصة الأدوات الكافية للتحقق عندما توجد مؤشرات موضوعية على أن التصرف ربما تم بقصد إبعاد الأموال عن التنفيذ

وماذا عن الأموال المحولة إلى الخارج؟

هذه المسألة تستحق اهتمامًا خاصًا

ففي عصر يستطيع فيه الإنسان تحويل أمواله والاستثمار وامتلاك الأصول خارج حدود بلده قد لا يكون البحث عن الرصيد المحلي وحده كافيًا دائمًا لإعطاء صورة كاملة عن الوضع المالي

ولذلك فإن تطوير أدوات التعاون القانوني والمالي الدولي في الحدود التي تسمح بها القوانين والاتفاقيات والضمانات القضائية يمكن أن يساعد في الحالات الكبيرة التي توجد فيها أدلة جدية على نقل الأموال إلى الخارج بقصد تعطيل تنفيذ حكم قضائي

فليس من المنطقي أن يكون الإنسان عاجزًا أمام أوراق التنفيذ داخل البلاد بينما تكون أمواله محفوظة في مكان آخر إذا ثبت ذلك بالطرق القانونية

الإعسار يجب ألا يكون حالة أبدية

إن إثبات الإعسار في مرحلة معينة لا يعني بالضرورة أن الإنسان سيظل معسرًا إلى الأبد

فقد يتحسن دخله أو يحصل على وظيفة أو يؤسس نشاطًا تجاريًا أو يرث مالًا أو يشتري عقارًا أو تصبح لديه قدرة مالية لاحقًا

ولهذا من المفيد أن تكون هناك آلية لمراجعة الملاءة المالية في الديون الكبيرة بصورة دورية وفق ضوابط واضحة بحيث يبقى الحق قائمًا وتتم متابعته متى ماتغيرت قدرة المحكوم عليه عن السداد

حلول تحفظ كرامة المدين ومال صاحب الحق

نحتاج في تقديري التوسع في أدوات التنفيذ الذكية والفعالة

ومن ذلك تعزيز الربط والاستعلام عن الأموال والأصول والتحقق من التصرفات المالية المهمة عند وجود مبررات جدية ووضع آلية لإعادة تقييم الملاءة المالية وإقرار خطط سداد تتناسب مع القدرة الفعلية على الوفاء وتشديد التعامل القانوني مع من يثبت تعمده إخفاء الأموال أو نقلها للغير بقصد الإضرار بصاحب الحق

كما يمكن دراسة وضع معايير أكثر تفصيلًا تراعي قيمة المبلغ المحكوم به وطبيعة الالتزام به وظروف نشوئه وسلوك المحكوم عليه ومدى تعاونه في التنفيذ

ثقتنا بالقضاء العماني راسخة🇴🇲🇴🇲

إن طرح هذه القضية لا يمثل اعتراضًا على القضاء العماني أو أحكامه ولا تشكيكًا في نزاهته واستقلاله بل على العكس نحن نعتز بمنظومتنا ونفخر ب القضاء العماني العادل ونثق بأن تطوير التشريعات والإجراءات هو مسار مستمر في كل دولة تسعى إلى تعزيز العدالة وحماية الحقوق

والمطالبة بمزيد من الضوابط ليست دعوة لحبس كل مدين فهناك فرق كبير بين إنسان معسر أنهكته الظروف ولا يملك ما يسدد به وبين شخص قادر على الوفاء أو أخفى قدرته المالية بقصد الإفلات من التنفيذ

الأول يستحق الحماية والرحمة والثاني يجب ألا يجد في حماية المعسرين طريقًا للإضرار بحقوق الآخرين

فالغاية ليست أن نضع المدين خلف القضبان وإنما أن يصل الحق إلى صاحبه

لا حبس لمجرد العجز الحقيقي ولا إعسار مصطنع وسيلة للهروب من الحقوق

حماية المعسر عدالة وحماية صاحب الحق عدالة وأيضًا متى استطاع القانون أن يوازن بين الاثنين اكتملت الغاية الحقيقية من العدالة

✍️ عبدالعزيز مسعود السعدون

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img