لماذا تنتهي الحياة التي لا قيد فيها إلى فراغ، لا إلى حرية؟
بقلم: أحمد الحضرمي
انتهى المقال السابق بسؤال تركناه معلّقًا عمدًا: بابٌ إلى ماذا؟
تخيّل إنسانًا وقف أخيرًا أمام هذا الباب.
تحرّر من الأسماء التي لم يخترها. عرف كيف صيغت مشاعره. تدرّب حتى تغيّرت عاداته. وأصبح، بأتم معنى الكلمة، حرًا.
والباب أمامه مفتوح على كل الاحتمالات.
يستطيع أن يصبح أي شيء. يلتزم بأي شيء. يختار أي طريق.
فلماذا لا يتحرك؟
حين يصبح كل شيء ممكنًا، لا يبقى شيء ضروريًا
الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغور، الذي سبق سارتر بقرن كامل، وصف بدقة مزعجة هذه اللحظة بالذات.
في كتابه “إما/أو” (Either/Or)، الصادر عام 1843، يصف كيركغور ما يسميه “المرحلة الجمالية” في حياة الإنسان: مرحلة الاحتمالات المفتوحة إلى ما لا نهاية، حيث لا يلتزم صاحبها بشيء محدد، بل يبقى في حالة تذوّق دائم للممكن — علاقة لا تتحول إلى وعد، فكرة لا تتحول إلى موقف، رغبة لا تتحول إلى فعل.
وقد يبدو هذا، للوهلة الأولى، صورة الحرية المطلقة.
لكن كيركغور يصل إلى نتيجة معاكسة تمامًا: هذه الحياة، بحسب تحليله، لا تنتهي إلى نشوة الحرية، بل إلى الملل والقنوط (despair) — لأن الإنسان الذي يرفض أن يختار نفسه عبر التزام محدد لا يملك ذاتًا متماسكة يعود إليها؛ يبقى مجرد احتمالات متناثرة، لا شخصًا.
الانتقال إلى ما يسميه “المرحلة الأخلاقية”، عنده، لا يحدث بمزيد من الحرية، بل بعكسها تمامًا: بالاختيار الذي يقيّد الإنسان طوعًا — كالزواج، أو الالتزام بمبدأ، أو تحمّل مسؤولية لا رجعة فيها.
وهنا عبارته الأكثر إرباكًا: الإنسان “يختار نفسه” فقط حين يلتزم. قبل ذلك، هو ليس بعد نفسه؛ هو مجرد إمكانية لم تتحقق.
لكن أليس هذا هو ما حذّرنا منه سارتر بالضبط؟
وهنا تكمن المواجهة الحقيقية، لا تكاملًا سهلًا بين مفكرين متفقين.
سارتر، الذي بنينا عليه المقال السابق، لا يرى في الالتزام المسبق تحريرًا؛ يراه أحد أخطر أشكال ما يسميه “سوء النية” (mauvaise foi): أن يحتمي الإنسان بدور جاهز أو التزام سابق، ليهرب من ثقل أن يخترع نفسه في كل لحظة من جديد. سارتر لا يرفض الالتزام بحد ذاته، لكنه يشترط أن ينبع من فعل حرية متجدد لا من الخوف من الحرية.
فحين يقول كيركغور: “لا تصبح نفسك إلا حين تلتزم”، يمكن لسارتر أن يسأل: وما الذي يضمن أن هذا الالتزام نفسه ليس هروبًا من الحرية، لا تحقيقًا لها؟
وحين يقول سارتر: “أنت تصنع نفسك من عدم، بلا طبيعة سابقة تحدّك”، يمكن لكيركغور أن يسأل: وهل الإنسان الذي يرفض الالتزام إلى الأبد، بحجة الحفاظ على حريته المطلقة، يعيش حياته أصلًا، أم يهرب منها في صورة أخرى؟
لا حل سهل هنا. كل طرف يرى في موقف الآخر فخًا يتنكّر في زي حرية.
الالتزام الذي لا يُختار مرة واحدة
وهنا أضيف ملاحظة أخرى، لم يذكرها كيركغور ولا سارتر بهذه الصيغة.
تذكّر ما تعلمناه في المقال عن الممارسة والتكرار: أن الإنسان الذي توصّلت إليه تقاليد مختلفة تمامًا — الرواقية، والتصوف، وبرنامج الخطوات الاثنتي عشرة، وعلم النفس السلوكي — لا يغيّر نفسه بقرار واحد، بل بممارسة متكررة لا تتوقف.
والالتزام، إن كان هو ما “يختار به” الإنسان نفسه كما يقول كيركغور، ليس استثناءً من هذه القاعدة.
فمن يلتزم بمبدأ في يوم واحد، ثم يظن أن الالتزام اكتمل، سيجد نفسه، مع الوقت، قد عاد إلى “المرحلة الجمالية” من طريق آخر: التزام تحوّل إلى عادة فارغة، لم يعد يُختار كل يوم من جديد، بل يُؤدَّى فقط.
فربما لا يكون السؤال: هل ألتزم أم لا ألتزم؟
بل: هل ما زلت أختار التزامي كل يوم، أم أنه أصبح شيئًا أفعله دون أن أختاره فعلًا؟
فلنجمع خيوط هذا المقال.
كيركغور يقول: لن تصبح نفسك حتى تلتزم.
سارتر يحذّر: احذر أن يكون التزامك هروبًا من حريتك، لا تحقيقًا لها.
وما تعلمناه من التكرار يضيف طبقة ثالثة: حتى لو التزمت بصدق، فالالتزام نفسه يحتاج أن يُختار من جديد كل يوم، وإلا تحوّل إلى القفص ذاته الذي هربتَ منه أول مرة.
والباب الذي وقفنا أمامه في نهاية المقال السابق لم يعد سؤالًا عن الحرية وحدها.
أصبح سؤالًا أصعب: بأي شيء يستحق الإنسان أن يقيّد نفسه؟
ومن يقرر ذلك، إن لم يكن هناك حق مطلق ولا طبيعة جاهزة يحتكم إليها؟
المراجع
1. Søren Kierkegaard, Either/Or (Enten – Eller), 1843، في المرحلتين الجمالية والأخلاقية، ومفهوم “اختيار الذات” عبر الالتزام.
2. Jean-Paul Sartre, L’existentialisme est un humanisme, 1946، في مفهومي “سوء النية” (mauvaise foi) و”الانخراط” (engagement)، مستخدمان هنا استكمالًا لما ورد في المقال السابق عن نفس المصدر.
3. ملاحظة منهجية: المواجهة المطروحة بين كيركغور وسارتر في هذا المقال متروكة عمدًا دون حسم؛ الموقف الشخصي من هذا التوتر سيُطرح صراحة، بوصفه اختيارًا معلنًا لا نتيجة محايدة، في مقال لاحق يختم هذه السلسلة.


