آخر الواقفِين

نشرت :

الكاتب محمدرضا جيني ساز

كان محمود آخرَ من بقي من عائلة «الواقفِين»، وهي عائلة غامضة يتوارث أفرادها مرضًا يبدأ بعد سن الأربعين؛ إذ تتحول عظام أجسادهم شيئًا فشيئًا إلى مادة صلبة، حتى يفقدوا القدرة على الحركة.

وكان الدور قد وصل الآن إلى والده، الشيخ عبد الرحمن.

منذ أشهر، بدأت عظامه بالتحجر من قدميه، ثم أخذ المرض يصعد ببطء نحو جسده. ومع مرور الأيام، لم يعد قادرًا على الجلوس أو الاستلقاء، وبقي واقفًا في غرفة نومه، يحدّق في السقف لساعات طويلة، كأن عينيه تنتظران شيئًا لا يأتي.

كان محمود يملك معرفة بسيطة بالطب، لكنه عجز عن تفسير ما يحدث. لذلك ذهب إلى طبيب عجوز اشتهر بقدرته على علاج الأمراض التي عجز الآخرون عن فهمها.

بعد أن فحص الشيخ عبد الرحمن، قال الطبيب:

«هذا المرض ليس وراثيًا، وليس له علاقة بنقص الكالسيوم. جذوره أقدم من الجسد. هناك شيء من الماضي لم يُدفن بعد».

سأله محمود:

«وما علاجه؟»

أجاب الطبيب:

«أن يقول والدك، بصوت عالٍ، كل أخطائه. يجب أن يعترف بما فعل، لا أمام الناس، بل أمام نفسه أولًا».

عاد محمود إلى البيت، وبدأ يبحث في غرفة والده القديمة. وفي صندوق خشبي مخبأ داخل خزانة مهجورة، وجد وثائق قديمة تكشف الحقيقة.

قبل سنوات، كان الشيخ عبد الرحمن قد احتال على شريكه في التجارة، واستولى على أملاكه وأرضه، حتى انتهى الرجل فقيرًا وحيدًا، ومات بعد أن خسر كل شيء.

وضع محمود الأوراق أمام أبيه وقال:

«أبي، اعترف فقط… قل إنك أخطأت».

لكن الشيخ عبد الرحمن، الذي لم ينطق طوال حياته بجملة «كنت مخطئًا»، رفض بعناد.

اشتد غضبه، وارتجف جسده، ثم حاول الكلام، لكن صوته اختنق في حلقه. تحوّل وجهه إلى لون قاتم، وشيئًا فشيئًا امتد التحجر إلى جسده كله.

أمام عيني ابنه، أصبح الشيخ عبد الرحمن تمثالًا من حجر، ثم سقط على الأرض سقوطًا ثقيلًا.

جلس محمود باكيًا إلى جواره، ولمس يده الباردة، وقال:

«لم يقتلنا المرض يا أبي… قتلنا غرورك».

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img