سبتمبر

نشرت :

٤ سبتمبر،٢٠٢٦

تعلّمتُ أن الصمت ليس فراغًا، بل لغة يفهمها من أنهكه الركض. سكتت حناجر الامتحانات فجأة، ونامت الأوراق في حقائبها للمرة الأخيرة، وصرت أحدّق في سكونٍ لم أعتده، في جدارٍ تتسلل عليه ظلال الستائر ببطء، كأن الزمن يوقّع صفحة طويتها للتو. أدركتُ أن الروح كالجسد: تركض سنوات، فإذا بلغت خط النهاية انهارت واجمةً، وجلست على عتبة الذكريات تستريح. كنت أظن أن باب القاعة فتحةُ عبورٍ إلى فرحٍ يفيض، فإذا به بابٌ إلى دهشةٍ أخرى: فراغٌ ثقيل، وحنينٌ غريب إلى التعب نفسه، إلى الأيام التي كانت تكسر الظهر لكنها تُحيي القلب. وكم صدق مصطفى صادق الرافعي حين قال: «رُبَّ صامتٍ أبلغُ من خطيب»؛ فلطالما هربتُ من هذا الصمت، فإذا هو اليوم ملاذي ولغتي.

رحلتي على كرسيٍّ كهربائي لم تكن سهلةً قط. خضتُ حربين كل يوم: حربًا مع الكتب، وحربًا مع الدرجة التي لا أستطيع صعودها، ومع النظرات، ومع المسافات. لكن هذا الكرسي لم يكن سجنًا يفصلني عن الحياة؛ كان منصةً أعلمتُ منها نفسي أولًا والعالم ثانيًا أن الإرادة لا تعاق. كلمة «ضعيف» التي خطّها حبرٌ بارد في امتحانٍ قديم جرحتني، وكادت تقنعني بالانسحاب بجرة قلم، لولا أناسٌ من معدنٍ أصيل جلسوا معي كإخوة لا كمسؤولين، فأعادوا إليّ صلابتي التي غفلتُ عنها، وحوّلتُ الجرح إلى أكبر نقطة انطلاقٍ في عمري.

وفي الطريق فقدتُ شيخ قبيلتنا، الشيخ محمد سعيد آغريب الشحري، البشوش المعطاء الذي كان يوزّع الطيبة أينما حلّ. رحيله علّمني أن العظماء لا يموتون، بل يتحولون إلى نورٍ نمشي به، وإلى دعاءٍ يسكن القلب: رحمه الله رحمةً واسعة. واليوم أنتظر وظيفةً تفتح لي باب الدراسات العليا، وأنا أكتب لأذكر نفسي: هذا الكرسي لم يمنعني بالأمس، ولن يمنعني اليوم. فأرض سبتمبر هذه ليست نهاية المطاف، بل استراحة محاربٍ يضم أوراقه ويصقل أدواته، قبل أن يواصل المسير نحو ما هو أكبر؛ فالصبر حبري، والصلابة عقيدتي.

✍️بقلم/ سعيد علي مسعود الشحري

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img