مهنية المحامي.. حين لا يكفي القانون وحده

نشرت :

أسامة بن عبدالله شظاء


محامِ قانوني

لا تُقاس مهنة المحاماة بمعرفة النصوص القانونية والقدرة على المرافعة وصياغة المذكرات فحسب، وإنما تُقاس أيضًا بأخلاقيات المهنة والالتزام بمبادئها. فالمحامي لا يدافع عن مصالح موكله فقط، بل يساهم في الحفاظ على هيبة المهنة واحترام العدالة وسيادة القانون.

ومن أهم ما يجب أن يتحلى به المحامي الدقة والنزاهة، والاستمرار في تطوير معرفته، وبذل العناية اللازمة في خدمة موكله، دون أن يعده بنتيجة لا يملك ضمانها. فالمحامي يبذل عناية، ولا يضمن نتيجة.

وهنا يبرز سؤال: هل من المهنية أن يعد المحامي موكله بالفوز؟
الحقيقة أن نتيجة القضية ليست بيد المحامي وحده، ولذلك فإن المهنية تقتضي أن يوضح لموكله فرص القضية ومخاطرها ومواطن القوة والضعف فيها، بدل تقديم وعود قد لا تتحقق.

وأستذكر هنا تجربة عشتها عندما كنت على مقاعد الدراسة وأعمل في مكتب والدتي، المحامية أسمهان عبدالرحمن. ومن أكثر ما تعلمته هناك أن حق الموكل يأتي أولًا، قبل المقابل المادي، وأن الدقة في العمل ليست خيارًا. وقد انعكس هذا المبدأ على طبيعة العمل والثقة التي بُنيت مع الموكلين، وصولًا إلى التعامل مع قضايا ذات طابع دولي.

وقد أدركت من هذه التجربة أن المهنية لا تُكتب فقط في اللوائح والأنظمة، وإنما تظهر في التفاصيل اليومية وفي أمانة المحامي تجاه موكله ومهنته.

المحامي قد يكون خصمًا في الدعوى، لكنه يظل زميلًا في المهنة. فالاختلاف في المواقف القانونية لا ينبغي أن يتحول إلى إساءة شخصية، واحترام الزميل والقاضي وأطراف الدعوى لا يتعارض مع قوة الدفاع.
كما أن الدفاع عن الموكل لا يعني استخدام جميع الوسائل، فقوة المحامي في حجته وأسلوبه القانوني، لا في التضليل أو الإساءة أو تجاوز حدود القانون وأخلاقيات المهنة.

وفي ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح المحامي مسؤولًا أيضًا عن الصورة التي يقدمها عن مهنته. فنشر تفاصيل القضايا أو أسرار الموكلين أو السخرية من الخصوم لا ينعكس على المحامي وحده، بل على صورة المهنة أمام المجتمع.

وفي النهاية، لا يُقاس نجاح المحامي بعدد القضايا التي كسبها فقط، وإنما بأمانته وكفاءته، وثقة موكليه، واحترام زملائه، وهيبة القضاء.
فالقانون يمنح المحامي أدواته، لكن أخلاقيات المهنة هي التي تمنح هذه الأدوات قيمتها.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img