المخدرات والمؤثرات العقلية.. بين التشريع والوعي والمسؤولية

نشرت :

معمر بن عوفيت الشحري**

كل مخدر من المخدرات سواء كانت مواد طبيعية أو مصنعة تؤثر على الجهاز العصبي المركزي، فتغير الإدراك والوعي والمزاج والسلوك، وقد تؤدي إلى الاعتماد الجسدي أو النفسي، وتشمل الحشيش والآفيون ومشتقاته والكوكايين والهيروين وغيرها.
لم تعد المخدرات والمؤثرات العقلية مجرد مشكلة فردية تنتهي عند حدود الشخص الذي يتعاطاها، وإنما أصبحت قضية تمس الأسرة والمجتمع والاقتصاد والصحة والأمن ومستقبل الأجيال.

ومع تطور أساليب الترويج والاتجار، وتغير وسائل استدراج الشباب، أصبح من الضروري أن تواكب التشريعات هذه المتغيرات، وأن تتكامل معها جهود الوقاية والتوعية والعلاج والتأهيل.

وفي هذا السياق، صدر المرسوم السلطاني رقم (67/2026) بإصدار قانون مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية في الثالث من سبتمبر 2026، ملغيًا قانون مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (17/99). وقد جاء المرسوم بعد الاطلاع على عدد من التشريعات ذات الصلة، وبعد العرض على مجلس عُمان، وبناءً على ما تقتضيه المصلحة العامة. (قانون)

وهذا التحديث التشريعي يؤكد أن مواجهة المخدرات ليست قضية أمنية فقط، وإنما مسؤولية متكاملة تشترك فيها الأسرة والمدرسة والمسجد والمؤسسات الصحية والإعلامية والأمنية والمجتمع المدني.

والخطورة لا تكمن في لحظة التعاطي وحدها، وإنما فيما قد يترتب عليها من آثار متراكمة على صحة الإنسان وعلاقاته وأدائه الدراسي أو الوظيفي وحياته الأسرية.

وقد يبدأ الأمر بتجربة يظن صاحبها أنها لن تتكرر، ثم تتحول التجربة إلى عادة، والعادة إلى اعتماد، ويجد الإنسان نفسه أمام طريق لم يكن يتوقع أن يصل إليه.

المخدرات والعقل في ميزان الشريعة

من مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ الإنسان وعقله وماله ونفسه، ولذلك جاءت النصوص الشرعية بالنهي عن الخمر وكل ما يؤدي إلى تغييب العقل والإضرار بالإنسان.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[المائدة: 90].

وقال سبحانه:

﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
[البقرة: 195].

كما قال تعالى:

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾
[النساء: 29].

ومن السنة النبوية قول النبي ﷺ:

«كل مسكر خمر، وكل خمر حرام».

وقد قرر الفقهاء تحريم المخدرات لما فيها من إفساد للعقل وإضرار بالنفس والمال والمجتمع.

فالعقل نعمة، وحمايته ليست مسؤولية القانون وحده، وإنما مسؤولية دينية وأخلاقية وإنسانية.

كيف يبدأ طريق الإدمان؟

في كثير من الحالات لا يبدأ الإدمان بقرار واضح.

قد يبدأ بفضول.

أو صديق يقول: «جرّب ولن يحدث شيء».

أو شخص يبحث عن الهروب من مشكلة.

أو شاب يريد إثبات نفسه أمام مجموعة من أصدقائه.

ثم تتكرر التجربة.

ومع التكرار يبدأ الاعتماد.

وهنا تكمن خطورة الجملة التي يرددها البعض:

«أنا أستطيع أن أتوقف متى أردت».

فقد يكون الإنسان في بداية الطريق مقتنعًا بأنه يسيطر على المادة، ثم يأتي وقت تصبح فيه المادة هي التي تسيطر عليه.

لماذا يتجه بعض الشباب إلى المخدرات؟

الأسباب كثيرة ومتشابكة.

قد تكون بسبب رفقة السوء.

وقد تكون بسبب ضعف الوازع الديني.

أو التفكك الأسري.

أو غياب الحوار داخل الأسرة.

أو الضغوط النفسية.

أو الفراغ.

أو الرغبة في التجربة.

أو محاولة الهروب من مشكلة.

أو التأثر بما يراه الإنسان في محيطه ووسائل التواصل.

ولهذا فإن الوقاية الحقيقية لا تبدأ بعد وقوع المشكلة، وإنما تبدأ قبلها بسنوات.

تبدأ من الأسرة.

من التربية.

من الحوار.

من تعليم الأبناء كيف يقولون «لا».

ومن منحهم الثقة التي تجعلهم قادرين على الحديث عن مشكلاتهم دون خوف.

الأسرة تدفع الثمن

عندما يقع شخص في الإدمان، لا يتألم وحده.

هناك أم تعيش القلق.

وأب يعيش الخوف.

وزوجة قد تعاني من عدم الاستقرار.

وأطفال قد يكبرون وهم يحملون آثار مشكلة لم يختاروها.

وقد يتحول المنزل من مكان للسكن والطمأنينة إلى مكان للخلاف والشك والخوف.

لذلك فإن مكافحة المخدرات ليست حماية للفرد فقط.

إنها حماية للأسرة.

وحماية الأسرة تعني حماية المجتمع.

القانون وحده لا يكفي

التشريع مهم، والردع ضروري، ومكافحة التهريب والاتجار والترويج مسؤولية وطنية، لكن القانون مهما كان قويًا لا يستطيع وحده أن يمنع كل شاب من تجربة المخدر.

هناك معركة أخرى لا تقل أهمية:

معركة الوعي.

إذا نجح المروج في الوصول إلى عقل الشاب قبل أن يصل إليه القانون، فقد تبدأ المشكلة.

ولهذا يجب أن نصل إلى أبنائنا قبل أن يصل إليهم المروج.

أن نتحدث معهم.

أن نسمعهم.

أن نعرف أصدقاءهم.

أن ننتبه إلى التغيرات المفاجئة في سلوكهم.

وأن نمنحهم المعرفة التي تمكنهم من اكتشاف الخطر قبل الوقوع فيه.

العلاج ليس عيبًا

من الأخطاء الاجتماعية الخطيرة أن ننظر إلى الشخص الذي وقع في الإدمان وكأنه انتهى.

الإدمان مشكلة تحتاج إلى علاج وتأهيل ودعم، والشخص الذي يطلب المساعدة لا ينبغي أن يقابل بالوصمة، بل ينبغي أن يجد الطريق الآمن للعودة إلى حياته وأسرته ومجتمعه.

وهنا تتكامل الأدوار:

القانون يردع،
والوعي يقي،
والطب يعالج،
والأسرة تحتضن،
والمجتمع يساعد على التعافي.
مسؤوليتنا تبدأ من أبنائنا

ليس المطلوب أن ننتظر ضبط شحنة مخدرات أو القبض على مروج حتى نتحدث عن المشكلة.

علينا أن نتحدث عنها قبل ذلك.

في البيت.

في المدرسة.

في المسجد.

في الجامعة.

في وسائل الإعلام.

وفي منصات التواصل الاجتماعي.

فالتوعية التي تصل إلى شاب قبل أن يجرب قد تكون أهم من علاج شاب بعد أن يصبح مدمنًا.

ولذلك يجب ألا يكون الحديث عن المخدرات مجرد تخويف من العقوبة، بل يجب أن نوضح للشباب ماذا يمكن أن يخسروا:

صحتهم.

دراستهم.

وظيفتهم.

علاقاتهم.

أموالهم.

سمعتهم.

وأحيانًا مستقبلهم بالكامل.

تشريع يواكب المرحلة ووعي يحمي المجتمع

إن صدور قانون جديد لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية يعكس أهمية تحديث المنظومة التشريعية لمواجهة المتغيرات والمخاطر المستجدة. لكن نجاح التشريع لا يقاس بالنص القانوني وحده، وإنما بقدرته على أن يكون جزءًا من منظومة متكاملة للوقاية والمكافحة والعلاج والتأهيل. (قانون)

ومن هنا فإن مسؤوليتنا كمجتمع لا تتوقف عند تأييد القانون، وإنما تبدأ من فهم خطورة هذه الآفة، وتعزيز الوعي، ودعم الأسر، وتشجيع من يحتاج إلى العلاج على طلب المساعدة.

فالمخدرات لا تسرق لحظة من الإنسان فقط؛ قد تسرق منه سنوات من عمره.

وقد تبدأ بقرار صغير، لكن آثارها قد تمتد إلى أسرة كاملة.

وفي المقابل، قد يكون قرار واحد بالابتعاد عنها سببًا في إنقاذ مستقبل إنسان.

فلنواجه المخدرات بالقانون، ونحاصرها بالوعي، ونحمي أبناءنا بالتربية، ونفتح أبواب التعافي لمن يريد العودة إلى الطريق الصحيح.

فحماية العقل حماية للإنسان، وحماية الإنسان حماية للأسرة، وحماية الأسرة حماية للمجتمع.

والسؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا:
هل نعطي أبناءنا من الوعي ما يكفي ليقولوا «لا» قبل أن يضطر القانون إلى أن يقول «ممنوع»؟

*** كاتب عماني مهتم بالقضايا الفكرية والاجتماعية والإدارية.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img